وتحسرًا على لُقِّيِّهِ، ولم يكن الوالدُ يمكنني من السفر" (١). ولم يكن الذهبي ابنًا عاقًّا يخالفُ إرادةَ والده لاسيما أن آدابَ طَلَب العلم تقتضي استئذانَ الأبوين في الرحلة (٢)، ووجوب طاعتهما وبرِّهما، وَترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما (٣). ويبدو لنا أن الذهبيَّ كان وحيدَ أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الأقل (٤)، بحيث كان يخافُ عليه هذا الخوفَ كله.
ويظهر أنَّ والده قد سمح له بالرحلة حينما بلغ العشرينَ من عمره، وذلك سنة ٦٩٣ هـ (٥). على أنه سمحَ له برحلاتٍ قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعةِ أشهر (٦) في الأغلب، ويرافقه فيها بعض مَنْ يعتمد عليهم (٧).
أ - رحلاته داخل البلاد الشامية:
تشيرُ المصادرُ إلى رحلاتِ الذهبي عرضًا ولكنها لا تقدمُ لنا عنها الكثير. على أننا استطعنا أنْ نتبينَ أن أولَ رحلة له ربما كانت إلى بعلبك سنة ٦٩٣ هـ (٨) حيث قرأ فيها القرآن جمعًا على الموفَّقِ النصيبي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (٩)، وأكْثَرَ عن المُحَدِّثِ الأديبِ الإمام تاج الدين أبي محمد المغربي