Skip to content

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Printed page ٢/ ٢٠١

وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين, لأني على مذهب الشافعي ﵁. وعرفت فرائض الدين وأحكامه على هذا المذهب, فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة, يذهبون على مثل هذه الأقوال, وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم. ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات (حزازات) لا يطمئن قلبي إليها, وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها, فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره, المتململ في تقلبه وتغيره وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول, مخافة الحصر والتشبيه, ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول ﷺ قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها, وأعلم بالاضطرار أنه ﷺ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي. ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها, لا نصا ولا ظاهرا مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء – مشايخي الفقهاء – المتكلمون مثل تأويلهم الاستواء بالاستيلاء والنزول, بنزول الأمر وغير ذلك, ولم أجد عنه ﵊ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرهما. ولم تنقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل الفوقية القهرية ويد النعمة والقدرة وغير ذلك, وأجد الله ﷿ يقول الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:١٦] أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:١٧].فسرد آيات كثيرة تدل على فوقية الله وعلوه على خلقه إلى أن قال: ثم أجد الرسول ﵊ لما أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى ثم قوله ﷺ في الحديث للجارية ((أين الله؟ قالت: في السماء)) فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه, فلا يتوهمون أن الأمر على خلاف ماهو عليه, بل أقرها وقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (١) , وفي حديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله ﷺ: ((إن الله فوق عرشه فوق سمواته, وسمواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي ﷺ بيده إلى القبة)) (٢) , وساق عدة أحاديث.

إلى أن قال: لا ريب إننا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله, ونحن قطعا لا نعقل عن الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراض تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون حياته ليست بعرض وعلمه كذلك وبصره كذلك هي صفات كما تليق به كما لا تليق بنا فكذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيفة وعلمه معلوم وليس مكيفا وكذلك سمعه وبصره معلومان وليس جميع ذلك أعراضا بل هو كما يليق به.