موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام
ويقول الربيع أيضاً: " حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين".واستشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي أيضاً بما رواه من قوله ﷺ ((يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني عنكم الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون؛ ألا لا أعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم الدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغنى عنكما من الله شيئاً)) (١).وهذا ما قرره الحارثي أيضاً في نفي الشفاعة في كتابه (العقود الفضية) (٢).والواقع أن الآيات التي استدل بها الخوارج على نفي الشفاعة والتي ذكرناها من قبل، إنما تدل على نفي الشفاعة عن أهل الشرك أو نفي الشفاعة التي يثبتها الكفار لشركائهم من الأصنام، أو نفي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ورضاه (٣)، كما تدل على ذلك ظواهر الآيات. وأما ما ورد في مسند الربيع بن حبيب فهو خال من السند الصحيح ومعارض بما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي تثبت لرسول الله ﷺ أنواع الشفاعات المختلفة، ومن ذلك قوله ﷺ: ((يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)) (٤).ومنها قوله ﷺ: ((يخرج من النار .. بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمه فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: يخرج بالشفاعة من النار؟ قال: نعم)) (٥).ومنها ما ورد في حديث أنس ﵁ وهو حديث طويل ورد في طلب أهل الموقف من الأنبياء ﵈ من يشفع لهم إلى الله لفصل القضاء، وكل يعتذر بذنب أصابه حتى يأتوا نبينا محمداً ﷺ فيشفع لهم عند ذلك (٦).وقد أخرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة في ثبوت الشفاعة فذكر منها قوله ﷺ فيما يرويه عنه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (٧).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٨). على غير هذا من الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في هذا الباب.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولسنا بصدد البحث في تفاصيل الشفاعة من أقسامها وشروطها ... الخ، وإنما الغرض هو إثبات وجودها الذي ينفيه الخوارج.
والإيمان بثبوت الشفاعة لرسول الله ﷺ بناء على ما صح فيها من الأحاديث هو إجماع الأمة، وهو مذهب السلف الصالح ﵃ جميعاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأل الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة".
ويقول أيضاً: " والرسول ﷺ يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من لا يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في من دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب".ويقول أيضاً: " ومذهب أهل السنة والجماعة أن يشفع في أهل الكبائر، ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان، بل يخرج من النار من في قلبه حبة إيمان أو مثقال ذرة " (٩).
المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٠٣