البستان في إعراب مشكلات القرآن
(٤)﴾ يعني: مُلْزَقًا بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ في الصَّفِّ، كقوله ﷺ: "تَراصُّوا بَيْنَكُمْ في الصُّفُوفِ، لا يَتَخَلَّلْكُمُ الشيْطانُ" (١)، ويقال: رَصَصْتُ البِناءَ أرُصُّهُ: إذا ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وأصله من الرَّصاصِ (٢).
أعْلَمَ اللَّهُ تعالى أنهُ يُحِبُّ مَنْ يَثْبُتُ فِي القِتالِ، ويَلْزَمُ مَكانَهُ كَثُبُوتِ البِناءِ المَرْصُوصِ، ونصب ﴿صَفًّا﴾ على المصدر؛ أي: يَصُفُّونَ أنْفُسَهُمْ في القتال صَفًّا، وهو مصدر فِي موضع الحال تقديره: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ مُصْطَفِّينَ.
قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: وَدِدْنا أنَّ اللَّه يُخْبِرُنا بِأحَبِّ الأعمال إليه حَتَّى نَعْمَلَهُ، ولو ذَهَبَتْ فيه أمْوالُنا وَأنْفُسُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ، فَكَرِهُوا المَوْتَ، وأحَبُّوا الحَياةَ، وتَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ عن رسول اللَّه ﷺ، حَتَّى شُجَّ وَجْهُهُ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾. . . . لآيات (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (٦)﴾ الآية، قرأ أهْلُ المدينة وابنُ كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: ﴿مِنْ بَعْدِيَ﴾ بِياءٍ مُحَرَّكةٍ، وقرأ حمزة