Skip to content

أبو هريرة راوية الإسلام تمهيد: حفظ السنة وانتشارها:

أبو هريرة راوية الإسلام

محمد عجاج الخطيب

Printed page ٣٧

ما يُحقِّقُ مقاصد رسالته. والأخبار في هذا كثيرة جداً منها: أنَّ فَتًى مِنْ قُرَيْش أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي في الزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَزَجَرُوهُ فَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ ﷺ: " ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا ". فَقَالَ: " أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ " قَالَ: لاَ. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ. قَالَ: " وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ " قَالَ: لاَ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ. قَالَ: " وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ". ثم ذكر له رسول الله ﷺ أخته ومعمَّته وخالته، وفي كل هذا يقول الفتى مقالته: " لاَ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ "، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ " قَالَ الرَاوِي: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١).

لقد اتَّبع الرسول ﷺ أسلوباً جعل الفتى يُدرك أثر الزنا في المجتمع، وكيف أنَّ الناس جميعاً لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا يرضاهُ هو لذويه، مِمَّا حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه. وخير الأمور ما كان الدافع إليه من قرارة النفس.

وكان الرسول ﷺ يدعو إلى التيسير دائماً، وينهى عن التنطع في العبادة، والتضييق في الأحكام، وكان في معاملته للمسلمين جميعاً أخاً رحيماً، ومُعلِّماً متواضعاً حليماً، ويظهر ذلك واضحاً من تتبُّع سيرته ﵊. عن السيدة عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبَعْدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا» (٢).

بهذه الروح الطيِّبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي الصحيح كان رسول الله ﷺ يعلِّمُ أصحابه