التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
غيرُهما؛ وهو رسولُ اللَّه ﷺ، فدلَّ ذلك، واللَّهُ أعلمُ، على أنَّ النِّيَّةَ في الإحرام بالحَجِّ ليس كالنِّيَّة في الإحرام بالصلاة، ألا تَرى أنَّ الدُّخولَ في الصلاةِ مُفتقِرٌ إلى القولِ والنِّيَّة جميعًا، وهو التَّكبيرُ واعتقادُ تعيينِ الصلاةِ بعينِها؟ وليس الحجُّ كذلك، لأنَّه يَصِحُّ عندَهم بالنِّيَّة دونَ التَّلبية، ألا تَرى أنَّ الحَجَّ قد يُدخَلُ فيه بغيرِ التَّلبيةِ من الأعمال، مثلَ إشعارِ الهَدي، والتَّوجُّهِ نحوَ البيتِ إذا نَوى بذلك الإحرام؟ ومثلَ أن يقول: قد أحرَمتُ بالحَجِّ، أو بالعُمرة، أو نحوَ ذلك، ولا يصِحُّ الإحرامُ في الصَّلاة إلّا بالتكبير، فلهذا جازَ نقلُ الإحرام في الحَجِّ من شيءٍ إلى مثلِه، ويُصحِّحُ ذلك قولُ رسولِ اللَّه ﷺ: "مَن لم يكنْ معه هَديٌ، فلْيجعَلْها عُمرة". فأجازَ أنْ يدخُلَ فيه بوجهٍ ويصرِفَه إلى غيرِه، ولهذا قال: إنّه يدخُلُ فيه الصغير، ثم يبلُغُ فيَبني على ذلك في عملِه، إذا صَحَّ له الوقوفُ بعرفة؛ لأنَّه أصلُ الحَجِّ الذي يُبنَى عليه ما سِواه منه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطول، وفيما لوَّحنا به مَقنَعٌ إن شاء اللَّه.
وقد ذكَر الربيعُ في كتاب البُوَيطيِّ، عن الشّافعيِّ، قال: ولو لبَّى رجلٌ ولم يَنْوِ حَجًّا ولا عُمرةً، لم يكُنْ حاجًّا ولا معتمِرًا، ولو نَوَى ولم يُحرِمْ حتى قضَى المناسك، كان حَجُّه تامًّا (١). واحتَجَّ بحديثِ النبيِّ ﷺ: "الأعمالُ بالنِّيَّة" (٢).
قال: ومَن فعَل مثلَ فِعْل عليٍّ ﵁ حينَ أهَلَّ على إهلالِ النبيِّ ﷺ أجزأتْه تلكَ النِّيَّة؛ لأنَّها وقَعَت على نِيَّةٍ لغيره قد تقدَّمت.