Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٤٣

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٣/ ٦٢٠

ذكَر عبدُ الرزاقِ (١)، قال: أخبَرني ابنُ جُريج، عن عطاءٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ بينما هو في بعضِ أسفارِه، فساروا ليلتَهم، حتى إذا كانوا في آخِرِ الليلِ نزَلوا للتَّعريسِ، فقال النبيُّ ﷺ: "مَن يُوقِظُنا للصُّبح؟ ". فقال بلالٌ: أنا. فتَوسَّد بلالٌ ذراعَه (٢)، فلم يستيقِظُوا حتى طَلَعتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ ﷺ فتوضَّأ ورَكَع ركعتَينِ في مُعَرَّسِه، ثم سارَ ساعةً، ثم صلَّى الصُّبحَ. قال ابنُ جُريجٍ: فقلتُ لعطاءٍ: أيُّ سَفر هو؟ قال: لا أدرِي.

قال أبو عُمر: في قولِ عطاءٍ هذا ما يدُلُّ على أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُؤخِّرْ صلاةَ الصُّبح يومَئذٍ، ولم يَخرُجْ مِن ذلك الوادي لِمَا زعَم العراقِيُّون مِن أنَّه انتبَه في وقتٍ لا تجوزُ فيه الصلاةُ، ألا ترَى أنَّه صلَّى ركعتي الفَجرِ ثم مشَى ساعَةً، ولا خِلافَ أنَّ الوقتَ الذي تجوزُ فيه النافلةُ، فالفريضةُ أحرَى أنْ تجوزَ فيه. واختلَف القائلونَ بالقولِ الأولِ:

فقال منهم قائلون: مَن نام عن الصلاةِ في سفره، ثم انتبَه، لَزمِه الزَّوالُ عن ذلك الموضع، وإنْ كان واديًا خرَج عنه؛ لقولِه ﷺ: "إنَّ الشيطانَ أتى بلالًا"، وقولِه: "اركَبوا واخرُجوا مِن هذا الوادي، فإنَّه وادٍ به شيطانٌ". قالوا: فكلُّ موضع يُصيبُ المسافرين أو غيرَهم فيه مثلُ ما أصاب أصحابَ رسولِ الله ﷺ معه ﵇ في ذلك الموضعِ؛ مِن النوم عن الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها، فواجبٌ الخروجُ عنه، وإقامةُ الصلاةِ في غيرِه؛ لأَنَّه موضعُ شيطانٍ، وموضعٌ ملعونٌ. ونزَعوا بنحوِ ما قدَّمنا ذكرَه مِن العِلَلِ.

وقال منهم آخرون: أمَّا ذلك الوادي وحدَه، إنْ عُلِم وعَرَض فيه مثلُ ذلك العارضِ، فواجبٌ الخروجُ منه، على ما صنَع رسولُ الله ﷺ يومَئذٍ، وأمَّا