التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
وأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بلالًا فأَذَّنَ في مَضجَعِه ذلك بالأُولَى، ثم مَشَوا قليلًا، ثم أقامَ فصلَّوا الصبحَ. وسنذكُرُ في هذا البابِ جميعَ هذه الآثارِ إنْ شاءَ اللهُ.
ونومُه ﷺ في ذلك الوقت عن صلاةِ الصبحِ حتى طلَعتِ الشمسُ، أمرٌ خارج، واللهُ أعلمُ، عن عادَتِه وطباعِه وطباعِ الأنبياءِ قبلَه، وأظُنُّ الأنبياءَ مخصُوصينَ بأنْ تنامَ أعينُهم ولا تنامَ قلوبُهم، على ما رُويَ عنه ﷺ (١)، وإنَّما كانَ نومُه ذلك ليكونَ سُنّةً، والله أعلمُ، وليَعلمَ المؤمنُون كيف حُكمُ من نامَ عن الصلاةِ أو نَسِيها حتى يخرُجَ وقتُها، وهو من بابِ قولِه ﵇: "إنِّي لأَنسَى -أو أُنسَّى- لأسُنَّ" (٢). والذي كانت عليه جِبِلَّتُه وعادَتُه ﷺ ألّا يُخامِرَ النومُ قلبَه، ولا يُخالِطَ نفسَه، وإنَّما كانت تنامُ عينُه ولا ينامُ قلبُه، وقد ثبَت عنه ﷺ أنَّه قال: "إنَّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (٣). وهذا على العمومِ؛ لأنَّه جاءَ عنه ﷺ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ تنامُ أعينُنا، ولا تنامُ قلوبُنا" (٤). ولا يجوزُ أنْ يكونَ مخصوصًا بذلك؛ لأنَّها خَصلَة لم يعُدَّها في السِّتِّ التي أُوتيها ولم يُؤتَها أحدٌ قبلَه من الأنبياءِ، فلما أرادَ اللهُ منه ما أرادَ، لِيُبيِّن لأُمَّتِه ﷺ، قبَض رُوحَه ورُوحَ مَن معه في نومِهم ذلك، وصرَفها إليهم بعدَ طلوعِ الشمسِ؛ ليُبيِّنَ لهم مرادَه على لسانِ رسولِه ﷺ. وعلى هذا التأويلِ جماعةُ أهلِ الفقهِ والأثرِ، وهو واضحٌ، والمخالفُ فيه مبتَدِعٌ، وللكلام عليه موضعٌ غيرُ هذا، وبالله تعالى التوفيقُ.