Skip to content

البحر المحيط في التفسير - ط الفكر [سورة التوبة (٩) : الآيات ٩٣ إلى ١٢١]

البحر المحيط في التفسير - ط الفكر

أبو حيان الأندلسي

Printed page ٥/ ٥٢٣

هَذَا نَفْيٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَخُصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ وَكُلُّ النَّاسِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ هَذَا الْإِلْزَامُ خَاصًّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَجَوَابُ النَّفْرِ إِلَى الْغَزْوِ إِذَا خَرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَبْقَ هَذَا الْحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ:

كَانَ هَذَا الْأَمْرُ وَالْإِلْزَامُ فِي قِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَاحْتِيَاجٍ إِلَى اتِّصَالِ الْأَيْدِي، ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «١» قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الِانْبِعَاثِ إِلَى غَزْوِ الْعَدُوِّ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا إِذَا أَلَمَّ الْعَدُوُّ بِجِهَةٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كل أحد القيام بذنبه وَمُكَافَحَتِهِ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ انْتِفَاءُ التَّخَلُّفِ مِنْ وُجُوبِ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَبَذْلِ النَّفْسِ دُونَهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الْوُجُوبُ لِلْخُرُوجِ وَبَذْلِ النَّفْسِ هُوَ بِسَبَبِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ الْجَسِيمِ عَلَى الْمَشَاقِّ الَّتِي تَنَالُهُمْ، وَمَا يَتَسَنَّى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ إِيذَاءِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ.

وَالظَّمَأُ الْعَطَشُ.

وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ظِمَاءٌ بِالْمَدِّ مِثْلُ: سَفِهَ سِفَاهًا، وَلَمَّا كَانَ العطش أشق الأشياء المؤدية لِلْمُسَافِرِ بِكَثْرَةِ الْحَرَكَةِ وَإِزْعَاجِ النَّفْسِ وَخُصُوصًا فِي شِدَّةِ الحر كغزوة تبوك بدىء بِهِ أَوَّلًا، وَثَنَّى بِالنَّصَبِ وَهُوَ التَّعَبُ لِأَنَّهُ الْكَلَالُ الَّذِي يَلْحَقُ الْمُسَافِرَ وَالْإِعْيَاءُ النَّاشِئُ عَنِ الْعَطَشِ وَالسَّيْرِ، وَأَتَى ثَالِثًا بِالْجُوعِ لِأَنَّهُ حَالَةٌ يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهَا الْأَوْقَاتِ الْعَدِيدَةَ، بِخِلَافِ الْعَطَشِ وَالنَّصَبِ الْمُفْضِيَيْنِ إِلَى الْخُلُودِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ السَّفَرِ. فَكَانَ الْإِخْبَارُ بِمَا يَعْرِضُ لِلْمُسَافِرِ أولا فثانيا فثالثا. وموطئا مَفْعِلٌ مِنْ وَطِئَ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا، وَاحْتَمَلَ مَصْدَرًا. وَالْفَاعِلُ فِي يَغِيظُ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، إِمَّا عَلَى موطىء إِنْ كَانَ مَصْدَرًا، وَإِمَّا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ موطىء إِنْ كَانَ مَكَانًا، أَيْ يغيظ ووطؤهم إِيَّاهُ الْكُفَّارَ. وَأَطْلَقَ مَوْطِئًا إِذَا كَانَ مَكَانًا لِيَعُمَّ كل موطىء يَغِيظُ وَطْؤُهُ الْكُفَّارَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَمْكِنَةِ الْكُفَّارِ، أَمْ مِنْ أَمْكِنَةِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ فِي سُلُوكِهِ غَيْظُهُمْ. وَالْوَطْءُ يَدْخُلُ فِيهِ بِالْحَوَافِرِ وَالْأَخْفَافِ وَالْأَرْجُلِ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ:

يُغِيظُ بِضَمِّ الْيَاءِ. وَالنَّيْلُ مَصْدَرٌ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْقَى عَلَى مَوْضُوعِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَنِيلُ. وَأَطْلَقَ نَيْلًا لِيَعُمَّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِمَّا يَسُوءُهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا وَغَنِيمَةً وَهَزِيمَةً، وَلَيْسَتِ الْيَاءُ فِي نَيْلٍ بَدَلًا مِنْ وَاوٍ خِلَافًا لِزَاعِمِ ذَلِكَ، بَلْ نَالَ مَادَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ نِلْتُهُ أَنُولُهُ نَوْلًا وَنَوَالًا مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَمِنْهُ التَّنَاوُلُ. وَالْأُخْرَى: هَذِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، نِلْتُهُ أناله نَيْلًا إِذَا أَصَابَهُ وَأَدْرَكَهُ. وبدىء فِي هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأَسْبَقِ أَيْضًا وَهُوَ الْوَطْءُ، ثُمَّ ثنى بالنيل من