نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم
أن يحتاج إليه (أي العزيز) كلّ شيء في كلّ شيء حتّى في وجوده وبقائه وصفاته، وليس ذلك على الكمال إلّا لله ﷿، وفيما يتعلّق بالمعنى الثّالث وهو صعوبة الوصول إلى العزيز فالكمال في ذلك يتمثّل في استحالة الوصول إليه، على معنى الإحاطة بكنهه، وليس ذلك على الكمال إلّا لله ﷿ فالله ﷿ بذلك هو العزيز المطلق الحقّ، لا يوازيه في ذلك الاسم غيره «١» .
المعزّ من أسماء الله ﷿:
إذا كان سبحانه هو الموصوف بالعزّة التّامّة المطلقة فإنّه سبحانه هو «الّذي يهب العزّ لمن يشاء من عباده «٢» ، والعزيز من العباد هو كما يقول الغزاليّ: من يحتاج إليه عباد الله في أهمّ أمورهم وهي الحياة الآخرويّة والسّعادة الأبديّة، وذلك ممّا يقلّ- لا محالة- وجوده، ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء- صلوات الله عليهم أجمعين- ويشاركهم في العزّ من ينفرد بالقرب من درجتهم في عصره، كالخلفاء والعلماء، وعزّة كلّ واحد منهم بقدر علوّ مرتبته عن سهولة النّيل والمشاركة، وبقدر عنائه فى إرشاد الخلق «٣» . وقال- رحمه الله تعالى-: من رزقه الله القناعة حتّى استغنى بها عن خلقه وأمدّه بالقوّة والتّأييد حتّى استولى بها على صفات نفسه فقد أعزّه الله في الدّنيا وسيعزّه في الآخرة بالتّقريب إليه «٤» .
وقال الخطّابيّ: العزّ في كلام العرب على ثلاثة أوجه:
الأوّل: معنى الغلبة والقهر، ومنه قولهم: من عزّ بزّ، أي من غلب سلب، ومنه قوله سبحانه:
وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (ص/ ٢٣) أي غلبني.
والثّاني: معنى الشّدّة والقوّة كقول الهذليّ يصف العقاب:
حتّى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف
جعلها عزيزة لأنّها من أقوى جوارح الطّير.
والثّالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر يقال منه: عزّ الشّيء يعزّ بكسر العين من يعزّ- فيتأوّل معنى العزيز على هذا أنّه لا يعادله شيء، وأنّه لا مثل له ولا نظير والله أعلم» «٥» .
عزة الله- ﷿
-:
ذكر ابن القيّم: أنّ عزّة المولى سبحانه متضمّنة لهذه الأنواع السّابقة كلّها وهي:
١- عزّة القوّة: الدّالّ عليها من أسمائه القويّ المتين وهي وصفه العظيم الّذي لا تنسب إليه قوّة المخلوقات وإن عظمت.
٢- عزّة الامتناع: فإنّه هو الغنيّ بذاته، فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العباد ضرّه فيضرّوه، ولا نفعه فينفعوه، بل هو الضّارّ النّافع المعطي المانع.
٣- عزّة القهر والغلبة لكلّ الكائنات: فهي كلّها مقهورة لله خاضعة لعظمته منقادة لإرادته،