نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم
لكم «١» ، كفيلا بأموركم، شريكا (عن مجاهد) وقيل غير ذلك «٢» .
قال الشّنقيطيّ في أضوائه: المعاني كلّها متقاربة، ومرجعها إلى شيء واحد هو أنّ الوكيل: من يتوكّل عليه، فتفوّض الأمور إليه، ليأتي بالخير ويدفع الشّرّ.
وهذا لا يصحّ إلّا لله وحده جلّ وعلا. ولهذا حذّر من اتّخاذ وكيل دونه لأنّه لا نافع ولا ضارّ ولا كافي إلّا هو وحده جلّ وعلا، عليه توكّلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل «٣» .
من أسماء رسول الله ﷺ: المتوكّل. كما في الحديث: « ... وسمّيتك المتوكّل» وإنّما قيل له ذلك ﷺ لقناعته باليسير والصّبر على ما كان يكره «٤» .
واصطلاحا:
صدق اعتماد القلب على الله- ﷿ في استجلاب المصالح ودفع المضارّ من أمور الدّنيا والآخرة، وكلة الأمور كلّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنّه لا يعطي ولا يمنع ولا يضرّ ولا ينفع سواه «٥» .
وقال الجرجاني: التّوكّل هو الثّقة بما عند الله واليأس عمّا في أيدي النّاس «٦» .
الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل:
قال ابن قيّم الجوزيّة: التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل.
ولكن من تمام التّوكّل: عدم الرّكون إلى الأسباب.
وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها.
فالأسباب محلّ حكمة الله وأمره ونهيه.
والتّوكّل متعلّق بربوبيّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديّة الأسباب إلّا على ساق التّوكّل ولا يقوم ساق التّوكّل إلّا على قدم العبوديّة «٧» .
بين التوكل والاتّكال:
إنّ الأخذ بالأسباب مع تفويض أمر النّجاح لله تعالى والثّقة بأنّه ﷿ لا يضيع أجر من أحسن عملا، هو من التّوكّل المأمور به، أمّا القعود عن الأسباب وعدم السّعي فليس من التّوكّل في شيء وإنّما هو اتّكال أو تواكل حذّرنا منه رسول الله ﷺ، ونهى عن الأسباب المؤدّية إليه، مصداق ذلك ما جاء في حديث معاذ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، تدري ما حقّ الله على العباد وما حقّ العباد على الله؟» قال (معاذ) : قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقّ العباد على الله ﷿ ألّا يعذّب من لا يشرك به شيئا» قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشّر النّاس؟ قال: «لا تبشّرهم فيتّكلوا» «٨» ، وهنا يضع الرّسول ﷺ قاعدة جليلة، هي أنّ كلّ ما يؤدّي