المَبحث الثَّاني طريقة تصنيف «الجامع الصَّحيح» فرعٌ عن مقصدِ تأليفِه
بعد أنْ خَبَر البخاريُّ المُصَنَّفات الَّتي سبقته في تدوين الحديث كما لم يَخبرها أحَدٌ (١)،وانتَشَق ريَّاها، واستجلى مُحيَّاها، وعَرَف مناهِجَها وخصائِصَها، وما يَنبغي أن يكون تَتميمًا لمسيرتِها وغاياتِها في خدمِة السُّنَّة؛ انقدحَ في ذهنِه مَشروعٌ علميٌّ بَديعٌ «لمَّا رأى هذه التَّصانيف بحسبِ الوَضعِ جامعةً بين ما يَدخلُ تحتَ التَّصحيحِ والتَّحسينِ، والكثيرُ منها يشمَلُه التَّضعيفُ، فلا يُقال لغَثِّه سَمينٌ، فحَرَّك هِمَّتَه لجمعِ الحديثِ الصَّحيحِ الَّذي لا يَرتاب فيه أمين» (٢).
فكان أن شَرَع في تصنيفِ جامعٍ صحيح لمُختصرِ ذلك نحو سنة (٢١٧ هـ)، خطَّ فيه أولى كلماتِه وعمرُه لا يجاوز ثلاثًا وعشرين سنةً! حتَّى أتَّمه الله له وهو ابن الأربعين (٣)؛
فاستفذ منه هذا المَشروع الباذخُ ستَّة عشر سنةً، حيث استهَلَّه في