Skip to content

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام [حديث أن رسول الله سمع جلبة خصم بباب حجرته]

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Printed page ٢/ ٢٧١

٣٧٥ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَلَا إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ. فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا» .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِهَا مَصْلَحَةٌ أَوْ ضَرُورَةٌ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُذْكَرُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ لِأَجْلِ ضَرُورَةِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، إذَا تَعَلَّقَ بِهِ أَذَى الْغَيْرِ: لَا يُوجِبُ تَعْزِيرًا.

[حَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ]

فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَإِعْلَامِ النَّاسِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ يَفْتَرِقُ مَعَ الْغَيْرِ فِي إطْلَاعِهِ عَلَى مَا يُطْلِعُهُ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِ مِنْ الْغُيُوبِ الْبَاطِنَةِ، وَذَلِكَ فِي أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ، لَا فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ قَوْلُهُ ﵇ " إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: أَنَّ الْحَصَرَ فِي " إنَّمَا " يَكُونُ عَامًّا، وَيَكُونُ خَاصًّا وَهَذَا مِنْ الْخَاصِّ وَهُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُجَجِ الظَّاهِرَةِ. وَيَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يُنَفَّذُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مَعًا مُطْلَقًا، وَأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي لَا يُغَيِّرُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فِي الْبَاطِنِ. وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْحَنَفِيَّ إذَا قَضَى بِشُفْعَةِ الْجَارِ: لِلشَّافِعِ أَخْذُهَا فِي الظَّاهِرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حِلِّ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ.

وَاَلَّذِي يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ - أَعْنِي أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ - أَنَّ الْحُجَجَ إذَا كَانَتْ بَاطِلَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِحَيْثُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ إذَا خَالَفَ اعْتِقَادُ الْقَاضِي اعْتِقَادَ الْمَحْكُومِ لَهُ، كَمَا قُلْنَا فِي شُفْعَةِ الْجَارِ.