Skip to content

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام [دخول المسجد في الأوقات المكروهة]

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Printed page ١/ ٢٨٨

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مِنْ النَّوَافِلِ. وَقِيلَ: إنَّهُمَا مِنْ السُّنَنِ. وَهَذَا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ: أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ تَمَسُّكًا بِالنَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى - الَّتِي وَرَدَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ - يَكُونُ التَّمَسُّكُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ: الْوُجُوبُ. وَظَاهِرَ النَّهْيِ: التَّحْرِيمُ وَمَنْ أَزَالَهُمَا عَنْ الظَّاهِرِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الدَّلِيلِ. وَلَعَلَّهُمْ يَفْعَلُونَ فِي هَذَا مَا فَعَلُوا فِي مَسْأَلَةِ الْوِتْرِ، حَيْثُ اسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ» وَقَوْلُ السَّائِلِ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» فَحَمَلُوا لِذَلِكَ صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ، لِدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ غَيْرِ الْخَمْسِ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ بِإِيجَابِهِمْ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، تَمَسُّكًا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ.

[دُخُول الْمَسْجِد فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ]

١

الْوَجْهُ الثَّانِي: إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَهَلْ يَرْكَعُ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَرْكَعُ. لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ. وَلَا يُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مِنْ النَّوَافِلِ إلَّا مَا لَا سَبَبَ لَهُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَطَرِيقَةٌ أُخْرَى: أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ إذَا قَصَدَ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَجْلِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا. أَمَّا غَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ: فَلَا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ صَلَاتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ، إذَا هِيَ عِنْدَهُ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ. وَإِنَّمَا يُمْنَعُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَا لَا سَبَبَ لَهُ، وَيُقْصَدُ ابْتِدَاءً، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا» انْتَهَى كَلَامُهُ. هَذَا لَا نَعْرِفُهُ مِنْ نَقْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ: مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْبَنِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُشْكِلَةٍ، وَهُوَ مَا إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ.