أمه تتوجه إلى الغار (١) في كل ثلاثة أيام مرة ترى حاله (٢)، فتراه في أحسن هيئة، فتوجهت إليه مرة فرأت الوحوش والطيور على المغارة فخافت واضطربت، فظنت (٣) أن ولدها هالك، فلما دخلت عليه وجدته بنعمة وعافية (٤) وهو جالس على فراش من السندس (٥) وهو مدهون مكحول (٦)، فلما رأت ذلك منه ازدادت تعظيما له، وعلمت أن له شأنا عظيما، وأن له ربا يتولاه (٧) ووجدته يمص من أصابعه من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع عسلا (٨)، ومن أصبع زبدا، ومن أصبع سمنا، صلوات الله وسلامه عليه، وكان يشب شبا (٩) لا يشبه الغلمان، يومه كالشهر وشهره كالسنة.
ولم يمكث في الغار إلا (١٠) خمسة عشر شهرا، وتكلم فقال لأمه يوما:
من ربي (١١)؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمروذ، قال: فمن رب نمروذ (١٢)؟ قالت له: اسكت، فسكت، فرجعت (١٣) إلى زوجها، وقالت له: أرأيت الغلام الذي يتحدث به أنه بغير دين أهل الأرض؟ قال (١٤): لا، قالت: إنه ابنك، ثم أخبرته بأمره ومكانه، فأتاه أبوه ونظره وفرح به (١٥)، وقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ قال: النمروذ (١٦)، قال: فمن رب النمروذ؟