الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط دنديس
تلاشت أحوالها في عصرنا، وتشعثت وبطل منها دق الطبلخانة، وصار نائبها (١) كأحد الناس لتلاشي الأحوال، وعدم إقامة النظام، وتقدم أن الوالي بالقدس كان قديما ينزل بالقلعة المذكورة. وأما بناء بيت المقدس فهو في غاية الإحكام والاتقان، جميعه بالحجارة (٢) البيض النحيت، وسقفه معقود ليس في بنائه لبن، ولا في سقفه خشب، وقد ذكر المسافرون أنه لم يكن في جميع المملكة أتقن عمارة ولا أحسن رؤية من بناء بيت المقدس، وفي معناه بناء بلد سيدنا الخليل، ﵇، لكن بناء القدس أمثل وأتقن (٣)، ويقرب منه بناء مدينة نابلس (٤)، فهذه المدن الثلاث بناؤها متقن لكونها في الجبل، والحجارة فيها كثيرة متيسرة (٥).
وأما رؤية بيت المقدس من بعد فمن العجائب المشهورة (٦) في نورانيتها، وحسن منظرها، وأحسن رؤيتها من جهة الشرق، إذا كان الإنسان في أعلى جبل طور زيتا وكذلك من جهة القبلة، وأما من جهتي (٧) الغرب والشمال فلا يرى منها من بعد إلا القليل لموارة الجبال لها، فإن بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل، ﵇ (٨) في جبال كثيرة الأوعار والحجارة، والسير فيها مشق والمسافة فيها بعيدة، فإن الجبال المحيطة بالبلدتين مسافتها (٩) تقريبا ثلاثة أيام طولا، ومثلها عرضا، مسير الأثقال، ولكن إذا منّ الله على قاصد الزيارة بالوصول إلى المسجد الشريف (١٠) الأقصوي، وإلى المقام الشريف الخليلي، فمن حين رؤيته لتلك الأماكن المشرفة يحصل (١١) له من الأنس والبهجة ما لا يكاد يوصف، ويسلو ما