الطبقات الكبرى - ط الخانجي
أبا قِرْصَافة (١)، وكان ينزل ناحية المدينة، فأَتَى رسولَ الله، ﷺ، فصلَّى معه الصُبح، وكان رسول الله، ﷺ، إذا صلّى [الصبح] وانْصَرَفَ تَصَفَّح [وجوه] أصحابِه ينظر إليهم، فلمّا دنا مِنْ وَاثِلَة أَنْكَرَهُ، فقال: مَنْ أنت؟ فأخبره فقال: ما جاء بك؟ فقال: جئت أبايع. فقال رسول الله، ﷺ، على ما أحببت وكرهت؟ فقال واثلةُ: نعم. فقال رسول الله، ﷺ: فيما أَطَقْتَ؟ فقال واثلةُ: نعم. فأسلم وبايعه (٢).
وكان النبي، ﷺ، يتجهز يومئذٍ إلى تَبُوك، فخرج واثلةُ إلى أهله، فلقي أباه الأَسقع فلما رأى حاله قال: قد فعلتَها! قال واثلة: قال أبوه: والله لا أُكَلِّمك أبدًا. فَأَتَى عمَّهُ، وهو مُولِّي ظَهْرَه إلى الشمس، فسلم عليه فقال: قد فعلتَها! قال: نعم. فَلَامَهُ لَائمةً أيسر من لَائِمةِ أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمرٍ. فسمعت أختُ واثلة كلامَهُ فخرجت إليه فسلّمت عليه بتحية الإسلام، فقال: أَنَّى لكِ هذا يا أُخَيّة؟ قالت: سمعتُ كلامكَ وكلامَ عَمِّكَ. وكان واثلة ذكر الإسلام وَوَصَفَهُ لعمّه، فأعجب أُخْتَهُ الإسلامُ فأسلمت، فقال واثلةُ: لقد أراد الله بكِ خيرًا يَا أُخَيَّة جهّزي أخاكِ جهازَ غازٍ، فإن رسول الله، ﷺ، على جناحِ سَفَرٍ، فأعطتهُ مُدًّا من دقيقٍ فعجن الدقيق في الدلوِ، وأعطتهُ تمرًا فأخذهُ. وأقبلَ إلى المدينة فوجد رسول الله، ﷺ، قد تحمّل إلى تَبُوك، وبقي غُبَّرَاتٌ (٣) من الناس وهم على الشخوص (٤)، فجعل يُنادي بِسُوق بَنِي قَيْنُقَاع: مَنْ يحملني وله سَهْمي! قال: وكنت رجلًا لا رِجْلَةَ بي (٥)، قال فدعاني كعب بن عُجْرَة