الطبقات الكبرى - ط الخانجي
عبد الله بن جُبير بن النعمان الأنصاري، فلما بعث أهلُ مكةَ في فداء أُساراهم، قدم فِي فِدَى أبي العاص أخوه عمرو بن الربيع، وبَعَثَت معه زينب بنت رسول الله، ﷺ، وهي يومئذٍ بمكةَ بقلادةٍ لها كانت لخديجةَ بنتِ خويلدٍ من جَزْعِ ظَفار (١) وظفارُ جبل باليمن - وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادةِ على أبي العاص بن الربيع حين بَنَى بها، فبعثت بها في فداءِ زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله، ﷺ، القلادةَ عرفها، وَرَقَّ لها، وذَكرَ خديجةَ وترحم عليها. وقال: إن رأيتم أن تُطْلِقوا لها أسيرها وتَرُدُّوا عليها متَاعَها فعلتُم. قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص بن الربيع، ورَدُّوا على زينب قِلَادتها. وأخذ النبي، ﷺ، على أبي العاص أن يُخلّى سبيلها إليه، فوعدَهُ ذلك ففعل.
قال محمد بن عمر: هذا أثبتُ عندنا من رواية من روى أن زينب هاجرت مع أبيها، ﷺ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر (٢)، قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه، قال: خرج أبو العاص بن الربيع إلى الشام في عِيرٍ لقريش، وبلغ رسول الله، ﷺ، أن تلك العيرَ قد أقبلت من الشام، فَبَعَثَ زَيْدَ بن حارثة في سبعين ومائة راكب، فلقوا العيرَ بناحية العِيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة، فأخذوها وما فيها من الأثقال، وأسروا ناسًا ممّن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع فلم يَغْدُ أن جاء المدينة، فدخل على زينب بنت رسول الله، ﷺ، سَحَرًا، وهي امرأتُهُ، فاستجارها فأجارتهُ، فلما صلى رسول الله، ﷺ، الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع! فقال رسول الله، ﷺ: أيها الناس، هل سمعتُم ما سمعتُ؟ قالوا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده، ما علمتُ بشيءٍ مما كان حتى سمعتُ الذي سمعتم، المؤمنون يدٌ واحدةٌ على مَن سِواهم، يُجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا مَن أَجارتْ. فلما أنصرف النبي، ﷺ، إلى منزلهِ دخلت عليه زينبُ فسألتهُ أن يردّ عَلى أبي العاص ما أُخِذَ منهُ، ففعل وأمرها أَلَّا يقربها،