توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال- لما سئل عن الساعة-: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ))، وقوله: ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)): له تأويلان عند أهل العلم:
الأول: أن المراد بـ ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)) يعني: يموت هؤلاء المخاطبين، أو يموت ذلك القرن، ومن مات فقد قامت قيامته.
الثاني: أن المراد بـ ((قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)): أن النبي ﷺ في أول الأمر ظن أن الساعة تقوم في زمانه، ثم بين له الله ﷿ أنها لا تقوم إلا بعد زمانه بدهر طويل، وبعد أشراط الساعة الكبار، والأقرب: التأويل الأول.
[٢٩٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ، فَمَا يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُومَ، وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ، فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ)).
قوله: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللِّقْحَةَ)): اللِّقحة هي: ذات اللبن من الإبل، والمعنى: أن الرجل يحلب اللبن، وقبل أن ((يَصِلُ الْإِنَاءُ إِلَى فِيهِ)) تقوم عليه الساعة.
وقوله: ((وَالرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ))، أي: القماش، فلا يتبايعانه حتى تقوم عليهما الساعة.
وقوله: ((حَتَّى تَقُومَ وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ))، يعني: يُطَيِّنه، فتقوم الساعة وهو على هذه الحالة، والمراد بالساعة: القيامة، وهي صيحة إسرافيل ﵇، حين يأمره الله ﷿ فينفخ في الصور نفخة يطوِّلها، فيفزع الناس، ثم لا يزال الصوت يقوى حتى يصعق الناس ويموتوا، فهي نفخة طويلة؛ أولها: فزع، وآخرها: صعق وموت.