توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
منها، وفي لفظ آخر في غير الصحيح: ((فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا قَدْ يَبِسَ رِيقُهَا فِي فَمِهَا)) (١)، وسكت النبي ﷺ، وقال: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)).
قال النووي ﵀: ((اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها، وأما قوله ﷺ: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)) فمعناه: الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها، والله أعلم)) (٢).
وهذا الذي حصل بينهن من باب الغيرة المتجاوز عنها؛ لأنهن جُبِلن على هذا، ولا يستطعن دفعه؛ ولهذا كان النبي ﷺ يسامحهن ولا يعاتبهن فيه، ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان مرة عند عائشة ﵂، فجاءت هديةٌ إلى النبي ﷺ من بعض أزواجه، طعامٌ جاء به الخادم، فلما جاء إلى النبي صلى الله علية وسلم أصابت الغيرة عائشة، فضربت يد الخادم، فسقطت الصحفة، وتكسرت، وسقط الطعام، فقال النبي ﷺ: ((غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)) (٣).
ولم يسبها ﷺ أو ينتهرها كما يفعل بعض الناس، بل أبدله بإناء أخذه من بيت عائشة ﵂، وفي هذا دليلٌ على عظيم خلق النبي ﷺ، فهو كما وصفه الله ﷿ بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
وقولها: ((وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)): هذا من إنصاف عائشة ﵂ وعدلها في القول، فبرغمِ الغيرة التي كانت بينها وبين زينب ﵂، وما حصل بينهما من كلام،