Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٧/ ٩٦

منها، وفي لفظ آخر في غير الصحيح: ((فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا قَدْ يَبِسَ رِيقُهَا فِي فَمِهَا)) (١)، وسكت النبي ﷺ، وقال: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)).

قال النووي ﵀: ((اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها، وأما قوله ﷺ: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)) فمعناه: الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها، والله أعلم)) (٢).

وهذا الذي حصل بينهن من باب الغيرة المتجاوز عنها؛ لأنهن جُبِلن على هذا، ولا يستطعن دفعه؛ ولهذا كان النبي ﷺ يسامحهن ولا يعاتبهن فيه، ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان مرة عند عائشة ﵂، فجاءت هديةٌ إلى النبي ﷺ من بعض أزواجه، طعامٌ جاء به الخادم، فلما جاء إلى النبي صلى الله علية وسلم أصابت الغيرة عائشة، فضربت يد الخادم، فسقطت الصحفة، وتكسرت، وسقط الطعام، فقال النبي ﷺ: ((غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)) (٣).

ولم يسبها ﷺ أو ينتهرها كما يفعل بعض الناس، بل أبدله بإناء أخذه من بيت عائشة ﵂، وفي هذا دليلٌ على عظيم خلق النبي ﷺ، فهو كما وصفه الله ﷿ بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.

وقولها: ((وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)): هذا من إنصاف عائشة ﵂ وعدلها في القول، فبرغمِ الغيرة التي كانت بينها وبين زينب ﵂، وما حصل بينهما من كلام،