توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
فانتفع حكيم بن حزام ﵁ بهذه النصيحة، وقال- كما في اللفظ الآخر-: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ)) (١).
[١٠٣٦] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)).
قوله: ((أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ)): بفتح همزة أن، والمعنى: بذلُكَ الفاضلَ عن حاجتك وحاجة عيالك خيرٌ لك؛ لبقاء ثوابه.
وقوله: ((وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ)): بفتح همزة أن، والمعنى: وإمساكُكَ الفاضلَ شرٌّ لك؛ لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب نقص ثوابه، فهو في كلا الحالين شر؛ لتفويته مصلحة نفسه في آخرته.
وقوله: ((وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ))، يعني: أن لا لوم على صاحب المال في إبقاء ما يحتاج إليه منه، للنفقة على نفسه، وأهله، وأولاده؛ حتى لا يحتاج إلى غيره.