التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة
فلمَّا كانَ من المعلومِ، المُقَرَّرِ عند أُولي العقولِ الصَّحيحةِ، وثاقِبِ الفُهُومِ، أنه عند ذِكْرِ الصَّالحين تنزلُ الرَّحمةُ (١)، وبتتبُّعِ اَثارهِم يَندفعُ كلُّ بلاءٍ ويقْمةٍ (٢)، وأنَّ الثَّناءَ على المُدْرَجِ فيهم في الأمواتِ، رحمة للأحياءِ من أهلِ المودَّاتِ، والاشتغالَ بنشرِ أخبارِ الأخيار -ولو بتواريخهم- من علاماتِ سعاداتِ الدَّارينِ لأولي العرفانِ والاختيارِ، بل يُرجَى إسعافُهم للمقَصِّر الذَّاكِرِ لهم بالشَّفاعةِ، وإتحافُهم من المولى بمرافقةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، إلى غيرِ هذا مما يُرغَّبُ فيه، ويُحَبَّبُ للتوجُّهِ إليه كلُّ وجيه.
توجَّهْتُ لبيانِ أحوالِ أهلِ طَيْبَةَ المشارِ إليها، والمخصوصةِ بِالمزيد من الفضائلِ المُنَبَّهِ عليها؛ لأحوزَ بركةَ المرتفعِ منهم، وأفوزَ بتنزُّلِ الرَّحمةِ حيث ذكرْتُهم، ولم أنصرفْ عنهم، خصوصًا ومَنْ أحَبَّ شيئًا أكثرَ من ذِكْرِه، والمرءُ مع حبيبه (٣) في حَشْرِه، ونعيمه ونَشْرِه، وإنْ لم يلحقْه في عملِه، ولا رافقه في سلوكه وسُبُلِه.
وألحقتُ بهم مَنْ تَخَلَّفَ عن طريقتِهم، ولم يَتَعرَّفْ ما أنعمَ اللّهُ به عليه، ولا تَبِعهم في توفيقهم، بحيث يُحْمَلُ ما نُقِلَ مما هو في أوائلِ "تاريخِ ابنِ عساكر" (٤) عن عمرِو بنِ