التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة - ط مركز دراسات المدينة
النَّاصِرِيَّة (١) بأنَّه بالقربِ من الأزلم (٢)، وكان إمامًا عالمًا، مُفتيًا خطيبًا، بَليغًا فقيهًا فاضلًا، حاكمًا مُتورعًا عَفيفًا، عَادلًا صَارمًا، عارفًا بالأحكام، بصيرًا بالمكاتيب وغَوائِلِهَا (٣)، والحكوماتِ ودَقَائِقها، ذا نظمٍ كثير؛ كتَخْميسٍ لـ " البُرْدَة"، بل جمع أشياء منها: "مناسك" كبرى وصغرى ووسطى، وشرحَ قطعةً من "المنهاج" للنَّوويِّ، وجمعَ "ديوان خُطَبٍ"، وحَدَّث، سمع منه الفضلاءُ، وممَّن سمعَ منه: الحافظان العراقيُّ، وابنُه، والهيثميُّ، وآخرون بالقاهرة، والزَّينُ أبو بكر المَرَاغيُّ المدنيُّ، وأبو الحسن ابنُ سَلامَةَ المكيُّ، وروى لنا بالإجارةِ غيرُ واحدٍ، وذكرَه أبو محمَّدٍ ابنُ فَرْحُون في "تاريخ المدينة" (٤) فقالَ: الشَّيخُ الإمامُ، العالمُ الأوحد، وحيدُ دهرِه، ونادرةُ عصرِه، كان حسنةَ زمانِه، قد حازَ الذِّروةَ العُليا، والغايةَ القُصوى في العِلمِ الباهر، والعقلِ الوافر، وحُسنِ الفصلِ للخصومات، مع الجزالةِ والهيَبة، والقيامِ في الحقِّ، حاكِمٌ إنْ قيلَ حاكِم، وقامَ بالخطابةِ والإمامةِ أحسنَ قيام، وانقضتْ تلكَ السَّنةُ كأنَّها أحلام، ثمَّ كانَ العَودُ أحمد، سلك مسلكًا جميلًا، وحقَّق ما كانَ النَّاسُ أمَّلوا فيه تأميلًا، وقامَ بحُرمةِ المنصب، وإقامةِ النَّاموس، ورفعَ شِعارَ السُّنة، وأخمدَ نار البِدعة، وراعى حقوقَ الكافَّة.