دروس الشيخ عائض القرني
تبشير الإنجيل ببعثة النبي ﷺ
قال: المؤلف رحمه الله تعالى (بابٌ في تبشير الإنجيل بالرسول ﷺ أي: أن ذكره ﷺ كان في الكتب السالفة، ومر معنا أنه وجد ذكره ﷺ في التوراة، وقد بشر به موسى قومه بني إسرائيل.
نسمع الآن إلى عيسى ﵇ يبشر كذلك بني إسرائيل بالرسول ﵊، قال: بشر عيسى ﵇ قومه في الإنجيل بالفار قليط، ومعناه قريب من اسم محمد أو أحمد، وهذه في لغتهم في الإنجيل، ولا يوجد بين الرسول ﷺ وبين عيسى نبي، بل عيسى قبل الرسول ﷺ، ثم خُتم بمحمد ﷺ، فهو خاتم الرسل ﷺ، قال: فكان يدعى في الإنجيل بالفار قليط، ومعناه قريب من محمد أو أحمد.
ويصدقه القرآن في قول الله تعالى في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد﴾ [الصف:٦] وهو رسولنا ﵊، واسمه: أحمد ومحمد والعاقب والماحي والحاشر، أما اسم طه فلم يثبت عند أهل السنة أن اسمه ﷺ طه، إنما قاله بعض الناس.
وهنا وقفة لطيفة في الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [الصف:٥] ولما أتى عند عيسى قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الصف:٦] فلماذا قال موسى: يا قوم؟ ولماذا قال عيسى: يا بني إسرائيل؟
قال بعض أهل العلم: لأن موسى من بني إسرائيل، فأبوه من اليهود، أما عيسى فليس له أب، فما ينتسب إليهم، ما قال: يا قوم، إنما قال: يا بني إسرائيل، فناداهم كأنه بعيدٌ عنهم ﵇، قال الله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الصف:٦] التوراة التي أتى بها موسى ﵇، والتوراة كان فيها الأحكام والحدود، والإنجيل كان فيه الرقائق والمواعظ: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد﴾ [الصف:٦] قيل: بينه وبين عيسى عليه والسلام خمسمائة سنة، وقيل: أربعمائة سنة، وقيل: ما يقارب ذلك.
وقد وصف المسيح هذا بالفارقليط، بأوصاف لا تنطبق إلا على نبينا ﷺ، فقال عيسى ﵇ يصف الرسول ﷺ لقومه: إنه يوبخ العالم على خطيئته، أي: الرسول ﷺ يأتي؛ فيوبخ الناس على خطاياهم، وعلى معاصيهم، وإعراضهم عن الله، وأنه يعلمهم جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ومصداق ذلك في القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤].
فالرسول ﵊ لم يأتِ بالشريعة من نفسه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦] إنما أتى بوحي ينشره في الناس ﷺ، ويتكلم بوحي من الله، ولا يمكن أن يفرض للناس ما لم يتنزل عليه، ومن علامة ذلك أنه ﷺ لم يكن عنده ثقافة، ولم يكن يقرأ ولا يكتب، إنما أنزل الله عليه هذا الوحي فبلغه للناس ﵊.
وقد ورد في إنجيل برنابا، الذي ظهر منذ زمن قريب وأخفته حجب الجهالة، ذكر اسم الرسول ﵊ صراحة، فورد في إنجيل برنابا اسمه محمد، وورد أن اسمه أحمد وهو رسولنا ﵊، واليهود والنصارى يعرفون أن الرسول ﷺ صادق، وأنه رسول من الله، وأنه نبي، لكن منعهم الحسد والبغي والغرور أن يؤمنوا به.