دروس الشيخ عائض القرني
لمحة من أخلاق النبي الكريم
كان ﷺ ينزل الأسواق, لكن ما كان يرفع صوته, ومرة من المرات نزل فأتى إلى زاهر وهو بدوي, كان زاهر هذا يأتي بالعسل والسمن للرسول ﷺ يشتريه منه, فوجد زاهراً يبيع، فأتى الرسول ﷺ من وراء زاهر، فاحتضنه من وراءه وأمسكه بقوة -وكانت قوته ﷺ تعادل قوة ثلاثين رجل ﷺ, ولذلك يقول أحد الأنصار: رأينا صخرة في الخندق اجتمع عليها نفر منا ما استطعنا لها, فأتى ﷺ فرفع عن ساعديه فحملها، فوالله ما أنسى ذراع يديه وهو يحمل الصخرة حتى رماها بعيداً- فلما أمسكه قال: من يشتري العبد؟ يقولها ﷺ وسط السوق, فأخذ زاهر يقول: اتركني اتركني لا يدري من هو هذا العربي الذي أمسكه, قال الرسول ﷺ: ﴿من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟﴾ فالتفت فرأى الرسول ﷺ، فأخذ يتمحك بظهره بصدر الرسول ﷺ للبركة, ثم قال: إذاً يا رسول الله تجدني كاسداً، قال: ﴿لكنك عند الله لست بكاسد.
وقريش يقولون: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] يقولون: لماذا يتكسب يبيع ويشتري؟
لو كان رسول صدق لجلس في البيت, فالله أخبرهم أنه يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وأنه بشر يعرف آلامهم وآمالهم, ويعيش حوائجهم ﵊, ويجوع كما يجوعون, ويشبع كما يشبعون.
قال: ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر, كل من أساء في حقه ﷺ عفا عنه وغفر, لما دخل مكة وفتح ﵊ مكة , أخذ بحلق باب الكعبة قال: ﴿الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده﴾ ثم قال لقريش الذين آذوه وقتلوا أصحابه وقاتلوه: ﴿ما ترون أني فاعل بكم؟﴾ يقول: ماذا تتصورون وماذا تتوقعون أني سوف أفعل؟
أنا الآن منتصر, السيف في يدي, أنتم لا تملكون شيئاً مجردين من السلاح, وكان حراسته على الحرم اثني عشر ألف مقاتل من الصحابة- فأخذوا يتباكون، يقول أحد الصحابة: سمعت بكاء الأطفال والنساء والرجال, أي: يقولون: أنقذنا, فقام أبو سفيان فقال: أخ كريم وابن أخ كريم, يقولون: افعل ما بدا لك, نحن أسأنا وأخطأنا, قال ﷺ: ﴿عفا الله عنكم, وغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ فأخذ أبو سفيان يبكي عند الباب، ويقول: [[لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أحلمك! ولا إله إلا الله ما أبرك! ولا إله إلا الله ما أوصلك!]] ﵊.
والله يقول له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦] وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
﴿جاء بدوي أعرابي إلى الرسول ﷺ، وعلى الرسول ﷺ برد نجراني غليظ الحاشية -جبة- فمشى ﷺ بين أصحابه، فأدركه الأعرابي فسحبه سحبة شديدة حتى أثر البرد في عنقه, فالتفت ﷺ إليه يتبسم ﷺ, قال الأعرابي: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا مال أمك -أعوذ بالله من الخطأ- قال ﷺ: أعطوه, فأعطوه, ثم أسلم هذا الأعرابي, فقال ﷺ: لو تركته وما فعل لارتد وارتد قومه معه﴾ أو كما قال ﷺ.
واعلم حفظك الله أنه ﷺ، تميز بآيات عديدة منها: معجزات ظاهرة سوف تأتي معنا:
ومنها: معجزات خُلقية وخَلقية.
ومنها: أن العالم شهد بنبوته منهم من آمن ومنهم من كفر.
ومنها: أن الله أتم له نوره وجعل العاقبة له, وجعل الدائرة على أعدائه.