تخطَّ إلى المحتوى

قرآن غاليري المدونة · المقالات

تحت أجنحة الملائكة: الرؤية النبوية في حراسة الأرض المباركة

حديث نبوي قيل في ظهيرة يوم عادي أثناء جمع القرآن، يعلن عن أرض بعينها تحرسها الملائكة، وحديث آخر يرفع منزلة الحراسة الفعلية لمثل هذه الأرض فوق كل ما تحويه الدنيا. وعند قراءتهما معًا، يصفان بركة لم يُقصد لها قط أن تسير في اتجاه واحد.

قراءة 5 دقيقة2 مصدرVirtues of Al-Aqsa

الكاتب:The Quran Gallery team

تذكر زيد بن ثابت تلك اللحظة بدقة متناهية لفرط بساطتها وعاديتها. كان هو وغيره من الصحابة جلوسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ينجزون عملًا توثيقيًا يتمثل في جمع القرآن من القطع المتناثرة التي كُتب عليها: من رقاع الجلد، والحجارة الرقيقة، وعسيب النخل، وكل ما يمكن أن تخط عليه اليد. لم يكن في الأمر أي جلبة، بل مجرد عناية واهتمام. وفي خضم ذلك، ودون أن يُطرح أي سؤال أو تُناقش أي آية، قال النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا لا علاقة له بالرقاع التي بين أيديهم.

ومن المهم هنا أن نحدد بدقة طبيعة هذا العمل. فزيد هو ذاته الصحابي الذي سيأتمنه أبو بكر ثم عثمان لاحقًا على جمع القرآن في مصحف واحد مرجعي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الجمع الذي يتبادر إلى أذهان معظم الناس عند استخدام هذه الكلمة. أما ما يصفه هنا فقد حدث في وقت أبكر، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال على قيد الحياة، وكان نطاقه أضيق: مجرد ترتيب ما نزل من الوحي على أي مادة كتابية متاحة، ليكون سجلًا قيد العمل لا نسخة نهائية. ولا تهمنا هذه التفرقة هنا إلا لما تخبرنا به عن اللحظة ذاتها؛ فلم يكن أحد في تلك الحجرة يفكر في الجغرافيا، بل كانوا منشغلين بعمل توثيقي. لقد جاء هذا التعليق عن إقليم بعيد عفويًا، دون أن يرتبط بأي سياق سبقه في الحديث.

كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُؤَلَّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طُوبَى لِلشَّامِ، فَقُلْنَا: لِأَيِّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا

— سنن الترمذي، حديث 4298، الصفحة المطبوعة 6/436 من . وقد حكم محققو الطبعة بصحة الحديث، وله شواهد من طريقين آخرين محفوظين في المسند وصحيح ابن حبان.

تحمل كلمة «طوبى» دلالات عميقة؛ إذ يرجعها أئمة اللغة إلى مادة تدل على بلوغ الخير منتهاه وأكمله، فأقرب معانيها يدور حول «البركة» و«حُسن المآل». فهي لا تقتصر على وصف رغد العيش في الحاضر، بل هي أقرب إلى حكم إلهي وبشارة. والسبب الذي يسوقه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحكم أعجب من الحكم نفسه؛ فهو لا يشير إلى تربة خصبة، أو مناخ معتدل، أو حصانة تتمتع بها مدن الشام، بل يشير إلى أمر غيبي لا يراه أحد ممن في الحجرة: ملائكة باسطة أجنحتها تظلل الأرض.

وقد فسر الملا علي القاري صورة بسط الأجنحة بأنها إيواء وحفظ فعلي؛ فهي مظلة ممتدة فوق تلك الأرض وأهلها تقيهم من الكفر، وليست مجرد صورة بلاغية للتزيين. ويذهب المناوي في شرحه إلى أبعد من ذلك، فيقرأ هذه الحركة على أنها حماية مستمرة: فالجناح يطوق الأرض، ويرد عنها البلاء والأذى عند نزوله. وتشترك كلتا القراءتين في تصور واحد: هذه الأجنحة تؤدي عملًا حقيقيًا، وهناك ما يُدفع ويُرد عن هذه الأرض.

وهذا التصور في غاية الأهمية، لأن القرآن الكريم كان قد أقر بأمر مشابه حول هذه البقعة ذاتها من الأرض قبل قرون من جلوس زيد بن ثابت مع رقاعه. ففي سياق الحديث عن نجاة إبراهيم ولوط عليهما السلام، يذكر القرآن وجهتهما مقترنة بنجاتهما في الآية ذاتها:

وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ

— سورة الأنبياء، 21:71

يفصل بين النصين عمر نبي بأكمله، ويصفان أمرين مختلفين: أحدهما نجاة تاريخية، والآخر حراسة ملائكية مستمرة، لكنهما يحطان على الأرض ذاتها ويستقيان من المعجم ذاته تقريبًا في وصف البركة. وعند قراءتهما معًا، يفصحان عما لا تستطيع آية مفردة أو حديث منفرد أن يبوح به: أيا كان المقصود بوصف هذه الأرض بالمباركة، فإنه لم يُقصد به قط أن يكون وصفًا خفيًا يظل صحيحًا سواء أدركه الناس أم لم يدركوه. بل هي أرض سُميت، وحُفظت، وحُرست.

غير أن التراث الإسلامي لا يترك مهمة الحراسة للملائكة وحدهم. ففي المصنفات ذاتها التي تروي هذا الحديث، نجد حديثًا آخر يوكل مهمة مطابقة لأي مؤمن يقف على ثغور هذه الأرض تحديدًا، ويُثمن هذه المهمة بعبارات صريحة لا تقبل التأويل:

رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا

— صحيح البخاري، حديث 2892، الصفحة المطبوعة 4/35 من .

تشترك كلمة «الرباط» في جذرها اللغوي مع الربط والشد؛ فالرابطة هي ما يُربط به الشيء. ولم تبدأ الكلمة حاملة لمعاني البطولة الملحمية، بل كانت تعني ملازمة المكان، وتحديدًا الثغر، طالما كان بحاجة إلى حراسة. وما يرويه سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مقارنة واحدة بل ثلاث مقارنات، كل منها أصغر مما قبلها: يوم كامل من وقتك، ثم مساحة صغيرة لا تتجاوز موضع سوط، ثم غدوة أو روحة قد تقوم بها عادة دون تفكير. وكل واحدة من هذه، إذا ما قورنت بالدنيا وما فيها، رجحت كفتها. لا يجادل الحديث في أن حراسة الثغور عمل بطولي مشهود، بل يكاد يجادل في العكس: وهو أن أصغر وحدات هذا العمل وأقلها أحداثًا، تفوق في وزنها كل ما يمكن للمرء أن يجمعه في عمره كله.

أورد البخاري هذا الحديث في «كتاب الجهاد والسير»، تحت باب أسماه ببساطة «فضل رباط يوم في سبيل الله». ومن السهل إساءة فهم هذا الموضع؛ إذ يقع الحديث وسط روايات عن الزحف والقتال، مما يغري السامع بتفسير الحديث برمته على أنه خطاب حربي، أو حافز للجند موجه لمن هم في ساحة المعركة بالفعل. لكن ليس في نص الحديث ما يشترط نشوب قتال؛ فمجرد قضاء يوم على الثغر في الحراسة هو ما يستوجب هذه المقارنة، ولم يُذكر ما إذا كان هذا اليوم يتضمن سل سيف واحد. يخبرنا عنوان الباب بالمكان الذي رأى المصنفون أن هذا الحديث ينتمي إليه في خارطة الدين، لكنه لا يخبرنا أن الأجر موقوف على القتال وحده.

ضع الحديثين جنبًا إلى جنب، وستتضح صورة لا يبوح بها أي منهما منفردًا. يصف أحدهما أجنحة مبسوطة من السماء، تظلل أرضًا لم تضعها عليها يد بشرية. ويصف الآخر دَينًا مستحقًا من الأرض، مُقَدَّرًا بوحدات لا يمكن لأحد أن يخلط بينها وبين الأفعال الجسام: يوم، موضع سوط، غدوة أو روحة. ولا يتعامل أي من الحديثين مع مساحة الآخر على أنها مكفية ومستغنى عنها. فلم تُوصف الملائكة بأنها بديل عمن يقف للحراسة، ولم يُنقص من أجر المرابط لأن الملائكة تقوم بالفعل بعمل مشابه من السماء.

وهذا توازن يصعب استيعابه مقارنة بكل شق على حدة. كان من الأسهل لو أن النصوص اكتفت بالقول إن الأرض آمنة لأن الملائكة تحرسها، وانتهى الأمر — ولا يبقى على من في الأرض سوى تصديق الخبر والمضي قدمًا. وكان من الأسهل أيضًا، في اتجاه مختلف، لو صُيغ أجر الرباط على أنه تعويض عن خطر لا تغطيه حماية الملائكة. لكن الأحاديث ترفض كلا التبسيطين؛ فهي تصف الأرض ذاتها من زاويتين لا تحتاج إحداهما إلى إذن الأخرى لتكونا صحيحتين في آن واحد، وتترك المرء الواقف على تلك الأرض دون أي مخرج يتيح له التخلي عن الزاوية الثانية متذرعًا بالأولى.

فالأرض المباركة، وفق هذه القراءة، ليست مكانًا يتكفل بحماية نفسه بمجرد أن يُطلق عليه هذا الوصف. بل هي مكان يُحرس من اتجاهين في آن واحد، ولم يُترك لنا سوى اتجاه واحد منهما لنقوم به.

متابعة

Virtues of Al-Aqsa

اسأل

اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو

كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.

يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.

تابع المدونة خلاصة RSS خلاصة JSON