قرآن غاليري المدونة · المقالات
حب الرسول، حب حبيب الله
لا يقبل القرآن ادعاء محبة الله هكذا على عواهنه، بل يقرنه باختبار يمر مباشرة عبر محبة رسوله. وما يطلبه هذا الاختبار حقًا من المؤمن، وما يعد به في المقابل، يختلف تمامًا عن مجرد التأثر العاطفي عند سماع اسمه.
قراءة 5 دقيقة3 مصدر
الكاتب:The Quran Gallery team
كثيراً ما يتردد على ألسنة الناس ادعاء محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فالكلمات لا تكلف شيئاً. غير أن القرآن لا يترك ادعاء محبة الله هكذا دون بينة، بل يقرنه بشرط، وهذا الشرط ليس مجرد شعور قلبي:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ — سورة آل عمران، 3:31
تأمل ما لم تفعله الآية؛ فهي لم تطلب التحقق من صدق الشعور، لأن المشاعر لا يمكن التحقق منها، بل يمكن ادعاؤها فحسب. بدلاً من ذلك، نصت الآية على فعل محدد وهو “الاتباع”، وجعلته الدليل الأوحد الذي يقبله الله لتصديق هذا الادعاء. كما أن الآية تقرر أمراً آخر قد يغفل عنه القارئ بسهولة: وهو أن الطريق إلى محبة الله، وفقاً لهذه الآية، يمر عبر شخص. ليس عبر المزيد من التعبد المجرد، ولا عبر النوايا الحسنة، بل عبر اتباع الرسول تحديداً. فمحبته ليست عبادة ثانوية أو اختيارية توضع جنباً إلى جنب مع محبة الله، بل هي الآلية التي تتحول بها محبة الله من مجرد ادعاء باللسان إلى حقيقة واقعة.
وهذا يعيد صياغة السؤال الذي يُطرح عادة في هذا السياق. فسؤال “هل تحب النبي؟” يبدو وكأنه سؤال عن حال القلب. لكن عند قراءته في ضوء هذه الآية، نجد أنه في الحقيقة سؤال عن حركة الجوارح؛ عن الاتجاه الذي تسير فيه حياة الإنسان. فالقلب الذي يرق عند ذكر اسمه، بينما لم يغير صاحبه عادة واحدة لتوافق سنته، لم يجب بعد على السؤال الذي طرحه القرآن، بل أجاب على سؤال آخر أسهل بكثير.
لفظان مختلفان، ومكانة واحدة
وإذا كان الاتباع هو الدليل، فإن السنة النبوية تخبرك أيضاً بما يجب أن يتفوق عليه هذا الاتباع. فقد روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ — صحيح البخاري، حديث رقم 15، الصفحة المطبوعة 1/12 من .
لم يُصغ هذا الحديث باعتباره فضيلة يُطمح إليها، بل صيغ كحد أدنى للإيمان ذاته؛ فقال “لا يؤمن أحدكم”، ولم يقل “لا يكتمل إيمان أحدكم” أو “لا يحسن إيمان أحدكم”. والترتيب الذي يذكره الحديث شامل بطريقة دقيقة: فهو يمتد إلى الماضي ليشمل الوالد الذي كان سبباً في حياة الإنسان، ويمتد إلى المستقبل ليشمل الولد الذي قد يضحي الوالد بكل شيء لحمايته، ثم يتسع ليشمل كل إنسان آخر على وجه الأرض. فلم يترك الحديث استثناءً واحداً يمكن للمرء أن يشير إليه خارج هذه الفئات الثلاث.
وقد نقل أنس نفس الحديث من طريق آخر، وأخرجه مسلم بجمع مختلف:
لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ — صحيح مسلم، حديث رقم 44، الصفحة المطبوعة 1/49 من .
يذكر لفظ البخاري الأشخاص الذين يرتبط بهم المؤمن برباط الدم: من رباه، ومن يربيه. بينما يذكر لفظ مسلم ما يرتبط به الإنسان بالتعلق والجهد: الأسرة التي بناها، والمال الذي كسبه. وبين اللفظين، نجد أن كل شيء تقريباً مما يتمحور حوله سعي الإنسان في حياته العادية قد ذُكر ووُضع تحت معيار واحد. فالطريقان لا يختلفان في متن الحديث، بل يذكران نصفين مختلفين لنفس المطلب الشامل، وكل منهما يسد منفذاً مختلفاً كان يمكن للمرء أن يبحث عنه للتهرب من هذا الاستحقاق.
ما لا يطلبه هذا الترتيب
إذا قُرئ هذا المعيار بمعزل عن غيره، فقد يبدو وكأنه سقف لا يمكن لشخص عادي أن يتجاوزه. فادعاء محبته أكثر من محبة المرء لولده بصدق ليس بالأمر الهين. لكن نفس كتب السنة التي وضعت هذا المعيار، تسجل أيضاً ما يضمن للمؤمن مكانة مع من يحبهم، وهو ليس بالضرورة أن يبلغ مبلغهم في الأعمال. فقد روى أنس بن مالك:
أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ — صحيح البخاري، حديث رقم 3688، الصفحة المطبوعة 5/12 من .
تأمل الدقة التي يصف بها أنس موقفه؛ فهو لا يدعي أنه بلغ منزلة أبي بكر وعمر في العمل، بل يصرح بوضوح أن صحيفته لا تضاهي صحائفهما. ما يدعيه حقاً هو المحبة، والحديث الذي يستشهد به دقيق في بيان ثمرة هذه المحبة: فهي لا تمنحه أجراً على أعمال لم يقم بها، بل تمنحه المعية مع من يحبهم بصدق. وهذا ليس ثغرة في المعيار الذي وضعه حديث “لا يؤمن أحدكم”، بل هو ما يجعل هذا المعيار ممكناً ومطاقاً وليس تعجيزياً. فالمحبة التي يطلبها الحديث الأول ليست أداءً ينجح فيه المرء أو يفشل فيه دفعة واحدة وإلى الأبد، بل هي وِجهة يمكن للمرء أن يتبناها بصدق اليوم، وإن شابتها النواقص، وتبقى مع ذلك معتبرة ومقبولة.
لكن هذين الحديثين لا يتكاملان إلا إذا كانت المحبة المذكورة في الحديث الثاني هي من نفس النوع الذي يصفه الحديث الأول، ونفس النوع الذي حددته الآية 3:31 مسبقاً. فالمحبة التي لا تغير شيئاً في طريقة حياة الإنسان ليست هي المحبة التي تتحدث عنها هذه النصوص الثلاثة؛ بل هي النسخة الأسهل والأقل كلفة التي رفض القرآن قبولها منذ البداية. فالرجل في الحديث لم يقل إنه يحب النبي في قلبه بينما يعيش حياته تماماً كما كان من قبل. بل ذكر الله ورسوله باعتبارهما كل ما يملك، عوضاً عن الأعمال التي لم يبلغها، والجواب الذي تلقاه كان مكافأة لمحبة شكلت، في تلك اللحظة، المضمون الكامل لوجهة حياته.
السؤال الذي يجيب عليه هذا الادعاء حقاً
إذا جمعنا هذه النصوص الثلاثة معاً، تتضح معالم ما هو مطلوب. فمحبة الرسول ليست شعوراً تعبدياً يسير بالتوازي مع الطاعة، بل هي علة وجود الطاعة ذاتها، إذ جُعل اتباعه ثمناً لمحبة الله في المقام الأول. وهذه المحبة، متى ما كانت حقيقية، يجب أن تتفوق على الأشخاص الذين يرتبط بهم المرء برباط الدم، والأشياء التي يرتبط بها بالجهد والسعي؛ ليس تقليلاً من شأن الأسرة أو الرزق، بل لأنه لا ينبغي لشيء آخر أن يعلو عليها في مراتب ما يعزه القلب. والمكافأة على التمسك بها، حتى وإن لم يبلغ المرء مبالغ من تمسكوا بها على وجه أكمل، ليست نصيباً أقل مما نالوه، بل هي معيتهم ومرافقتهم.
وعليه، فإن السؤال الذي يجيب عليه ادعاء محبته حقاً ليس عن مدى رقة القلب عند ذكر اسمه، بل عما ارتضى القلب سلفاً أن يضعه دونه في المنزلة.
ذات صلة
المقالات لقد أحبنا أولاً: بوصلة محبة النبي غالبًا ما تُصاغ الصلاة على النبي كدين في أعناقنا له. لكن سجلات الأحاديث النبوية تخبرنا بعكس ذلك؛ فقد بكى لأجل أناس لم يُخلقوا بعد، وسماهم إخوانه قبل أن يولدوا، وادخر دعوته المستجابة من أجلنا نحن. Journey Through Salah السلام: الكلمات التي تحللك من الصلاة ليس السلام مجرد خفوت للصلاة وتلاشٍ لها، بل هو الفعل الذي ينهيها، وهو المقابل للتكبير الذي بدأها. ما هي كلماته، وإلى أي مدى يُلتفت بالرأس، ومن المُسَلَّم عليه حقيقة، وهل هي تسليمة واحدة أم اثنتان، وما هو الذكر الذي تضعه المصادر بعده مباشرة. Journey Through Salah قبل السلام: الصلاة على النبي، ودعاء من اختيارك الجزء الأخير من الصلاة، بعد التحيات وقبل السلام، يسير وفق ترتيب مُعلَّم: الثناء، ثم الصلاة على النبي، ثم ما شئت من الدعاء لنفسك. كل خطوة من هذه الخطوات منصوص عليها في حديث يمكنك الرجوع إليه، بما في ذلك الموضع الوحيد الذي يترك لك فيه النص الثابت حرية اختيار كلماتك.
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
