İçeriğe geç

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني فصل الأم أحق بالولد من الأب

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Basılı sayfa ٥/ ٣٩٠

فِي هَذَا الِاخْتِصَاصِ الَّذِي لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهِ الْأَبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ الَّذِي طَلَبَتْهُ بِالِاسْتِفْتَاءِ وَالْمُخَاصَمَةِ.

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ، وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَاطَتِهَا بِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ حَتَّى فِطَرِ النِّسَاءِ، وَهَذَا الْوَصْفُ الَّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ، وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ، بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عَقِيبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنَّهُ سَبَبُهُ.

وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنَّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ، وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً، أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزَّوْجِ إِنَّهُ طَلَّقَهَا حَتَّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا.

[فصل الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مِنَ الْأَبِ]

وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْأَبِ، مَا لَمْ يَقُمْ بِالْأُمِّ مَا يَمْنَعُ تَقْدِيمَهَا، أَوْ بِالْوَلَدِ وَصْفٌ يَقْتَضِي تَخْيِيرَهُ، وَهَذَا مَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ نِزَاعٌ، وَقَدْ قَضَى بِهِ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبو بكر عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ.

فَلَمَّا وَلِيَ عمر قَضَى بِمِثْلِهِ، فَرَوَى مالك فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: (كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عاصم بن عمر، ثُمَّ إِنَّ عمر فَارَقَهَا، فَجَاءَ عمر قُبَاءَ، فَوَجَدَ ابْنَهُ عاصما يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ، فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، فَقَالَ عمر: ابْنِي، وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: ابْنِي. فَقَالَ أبو بكر ﵁: خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَمَا رَاجَعَهُ عمر الْكَلَامَ) .