Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذكرُه: وَجاءَ رسولَ اللهِ ﷺ المُعْتَذِرُونَ (٣) مِن الأَعْرَابِ ليؤذنَ لهم في التَّخَلُّفِ، وقَعَدَ عن المجيءِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ والجهادِ معه الذين كذَبوا الله ورسُولَه، وقالوا الكذبَ، واعْتَذَروا بالباطلِ فيهم. يقولُ تعالى ذكرُه: سيُصيبُ
فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾. وقد عَلِمتَ أن المُعذِّرَ في كلامِ العربِ، إنما هو الذي يُعَذِّرُ في الأمرِ، فلا يبالِغُ فيه، ولا يُحْكِمُه، وليست هذه صفةَ هؤلاء، وإنما صفتُهم أنهم كانوا قد اجْتَهَدوا في طلبِ ما يَنْهَضون به مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى عدوِّهم، وحَرَصُوا على ذلك، فلم يَجدوا إليه السبيلَ، فهم بأن يوصَفوا بأنهم قد أَعْذَروا، أوْلى وأحقُّ منهم بأن يُوصَفوا بأنهم عَذَّروا، و (١) إذا وصفوا بذلك فالصوابُ في ذلك مِن القراءةِ ما قرَأه ابن عباسٍ.
وذلك ما حدَّثناه المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرأُ: (وجاءَ المُعذِرُونَ) مخففةً، ويقولُ: هم أهلُ العُذْرِ (٢).
مع موافقةِ مجاهدٍ إياه وغيرِه عليه.
قيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وأن معناه: وجاءَ المُعْتَذِرون مِن الأعرابِ، ولكنَّ "التاءَ" لمَّا جاوَرَت "الذالَ" أُدغِمت فيها، فصُيِّرتا "ذالًا" مشددةً؛ لتقاربِ مخرجِ إحداهما مِن الأخرى، كما قيل: "يذَّكرون" في يتذكَّرون، و "يذَّكرُ" في يَتذكَّرُ، وخَرَجَت "العينُ" من المُعَذِّرين إلى الفتحِ؛ لأن حركةَ "التاءِ" مِن المُعْتَذِرين وهى الفتحةُ، نُقِلَت إليها، فحُرِّكَتْ بما كانت به مُحَرَّكةً. والعربُ قد تُوجِّه في معنى الاعْتذارِ إلى الإعْذارِ، فتقولُ: قد اعْتَذَر فلانٌ
ثم بيَّن تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاؤوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة.
قال الضحاك، عن ابن عباس، إنه كان يقرأ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر (١). وكذا روى ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء (٢).
قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رخصة (٣)، وهذا: القول هو الأظهر في معنى الآية، لأنه قال بعد هذا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال: نفر من بني غفار جاؤوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله (٤)، وكذا قال الحسن وقتادة (٥) ومحمد بن إسحاق والقول الأول أظهر والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من
[— بداية ص ٤/ ٣٣٥، page_id=2194 —]
الأعراب عن المجيء للاعتذار ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم بيَّن تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به، ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولا يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة ﵁ قال: قال الحواريون يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حقَّ الله على حقِّ الناس، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا (١).
وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللَّهم نعم، فقال: اللَّهم إنَّا نسمعك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللَّهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع يديه، ورفعوا أيديهم فسُقوا (٢).
وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أُذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية (٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا
قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ وقرأ ابن مسعود: «المعتذرون» . وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب «المُعْذِرون» بسكون العين وتخفيف الذال. وقرأ ابن السميفع «المعاذرون» بألف. قال أبو عبيدة: المعذِّرون من يعذِّر وليس بجادّ وإنما يعرِّض بما لا يفعله أو يُظهر غير ما في نفسه. وقال ابن قتيبة: يقال: عذَّرتُ في الأمر: إذا قصَّرتَ، وأعذرتُ: جَدَدْتَ. وقال الزجاج: من قرأ «المعذِّرون» بتشديد الذال، فتأويله: المعتذرون الذين يعتذرون، كان لهم عذر، أو لم يكن، وهو ها هنا أشبه بأن يكون لهم عذر، وأنشدوا:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَليْكُما ... وَمَنْ يَبْكِ حولا كاملا فقد اعتذر «١»
أي: فقد جاء بعذر، ويجوز أن يكون «المعذِّرون» الذين يعذِّرون، يوهمون أنّ لهم عذرا، ولا
[— بداية ص ٢/ ٢٨٨، page_id=882 —]
عذر لهم، ويجوز في النحو: المعِذِّرون بكسر العين، والمعُذِّرون بضم العين، غير أنه لم يُقرأ بهما، لأن اللفظ بهما يثقل. ومن قرأ «المعْذرون» بتسكين العين، فتأويله: الذين أُعذروا وجاءوا بعذر. وقال ابن الأنباري: المعذّرون ها هنا: المعتذرون بالعذر الصحيح. وأصل الكلمة عند أهل النحو:
المعتذرون، فحوِّلت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء وأدغمت في الذال التي بعدها فصارتا ذالاً مشددة، ويقال في كلام العرب: اعتذر، إذا جاء بعذر صحيح، وإذا لم يأت بعذر. قال الله تعالى:
قُلْ لا تَعْتَذِرُوا فدل على فساد العذر، وقال لبيد:
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَاملاً فَقَد اعْتَذَر أي: فقد جاء بعذر صحيح. وكان ابن عباس يقرأ «المعذِّرون» ويقول: لعن الله المعذِّرين.
يريد: لعن الله المقصِّرين من المنافقين وغيرهم. والمعْذرون: الذين يأتون بالعذر الصحيح فبان من هذا الكلام أن لهم عذراً على قراءة من خفف. وهل يثبت لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان.
قال المفسرون: جاء هؤلاء ليؤذَن لهم في التخلُّف عن تبوك، فأذن لهم رسول الله ﷺ، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علّة، جرأة على الله تعالى.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣)
قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر، قاله قتادة. والثاني: في ابن مكتوم، قاله الضحاك. وفي المراد بالضعفاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم الصغار. والثالث: المجانين سموا ضعافاً لضعف عقولهم، ذكر القولين الماوردي. والصحيح انهم الذين يضعفون لزَمانةٍ، أو عَمىً، أو سِنٍّ أو ضَعف في الجسم. والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال، والَّذِينَ لا يَجِدُونَ هم المُقِلُّون، والحرج: الضيق في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله ﷺ، وفيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: إذا برئوا من النفاق. والثاني: إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل. فان قيل بالوجه الأول، فهو يعم جميع المذكورين. وإن قيل بالثاني. فهو يخص المقلِّين. وإنما شُرط النصح، لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد، فهو مذموم ومن النصح لله: حث المسلمين على الجهاد، والسعي في إصلاح ذات بينهم، وسائر ما يعود باستقامة الدين.
قوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي من طريق بالعقوبة، لأن المحسن قد سد باحسانه باب العقاب. قوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ نزلت في البكَّائين، واختُلف في عددهم وأسمائهم.
Footnotes are the editor's words, not the author's.