تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وإن يُرِدْ هؤلاء الأُسارى الذين في أيديكم ﴿خِيَانَتَكَ﴾، أي الغدرَ بك والمكرَ والخداعَ، بإظهارِهم لك بالقولِ خلافَ ما في نفوسِهم، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: فقد خالَفوا أمرَ اللَّهِ من (٢) قبل وقعة بدرٍ، وأمكَن منهم ببدرٍ المؤمنين، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يقولون بألسنتِهم، ويُضْمِرونه في نفوسِهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبيرِهم وتَدْبيرِ أمورِ خلقِه سواهم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعنى العباسَ وأصحابَه في قولِهم: آمنَّا بما جئتَ به، ونشهدُ أنك رسولُ الله، لنَنصَحنَّ لك على قومِنا. يقولُ: إن كان قولهم خيانةً ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾.
[— بداية ص ١١/ ٢٨٨، page_id=7663 —]
يقولُ: قد كَفَروا وقاتَلوك، فأمكَنك اللَّهُ منهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ الآية. قال: ذُكِر لنا أن رجلًا كتب لنبيِّ اللَّهِ ﷺ، ثم عمَد فنافَقَ، فلَحِقَ بالمشركين بمكةَ، ثم قال: ما كان محمدٌ يَكْتُبُ إلا ما شئتُ. فلما سَمِعَ ذلك رجلٌ من الأنصارِ، نَذَر لئن أمكنَه اللَّهُ منه ليَضْرِبَنَّه بالسيفِ، فلما كان يومُ الفتحِ أمَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ الناسَ إلا عبدَ اللَّهِ بنَ سعدِ بن أبي سَرْحٍ، ومِقْيَسَ بنَ صُبابةَ (١)، وابنَ خَطَلٍ، وامرأةً (٢) كانت تدعو على النبيِّ ﷺ كلَّ صباحٍ، فجاء عثمانُ بابنِ أبى سَرْحٍ، وكان رضيعَه أو أخاه من الرضاعةِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا فلانٌ أقبَل تائبًا نادمًا، فأعرَض عنه (٣) نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فلمَّا سمِع به الأنصاريُّ أقبل متقلِّدًا سيفَه، فأطاف به، وجعَل يَنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ رَجاءَ أن يُومِئَ إليه، ثم إن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّم يدَه فبايَعَه، فقال: "أما واللَّهِ لقد تلوَّمْتُك فيه لتوفىَ نذرَك". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إنى هِبْتُك، فلولا أو مَضتَ إليَّ (٤). فقال: "إنه لا ينبغى لنبيٍّ أن يُومِضَ" (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: قد كفَروا باللَّهِ، ونقَضوا عهدَه، فأمكَن منهم يبدرٍ (٦).