تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءَهم به من وحى الله وتنزيله وشرائع دينه، وعملوا بما أمرهم الله به، فأطاعوه، وتجنَّبوا ما نهاهم عنه - ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يقول: لا نُكَلِّفُ نفسًا من الأعمال إلا ما يَسَعُها، فلا تَحْرَجُ فيه، ﴿أُولَئِكَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: هم أهل الجنة الذين هم أهلُها دون غيرهم ممَّن كفر بالله وعمل سيِّئًا، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقول: هم في الجنة ماكثون، دائمٌ فيها مُكْثُهم، لا يَخْرُجون منها ولا يُسْلَبون نعيمها.
القول في تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ
ص ١٠/ ١٩٨
تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأَذْهَبْنا من صدورِ هؤلاء الذين وصَفتُ صفتَهم، وأخبَر أنَّهم أصحابُ الجنةِ، ما فيها من حقدٍ وغمرٍ (١) وعداوةٍ كان من بعضِهم في الدنيا على بعضٍ، فجعَلهم في الجنةِ إذا أدخلهُمُوها على سررٍ متقابلين، لا يَحسُدُ بعضُهم بعضًا على شيءٍ خصَّ الله به بعضَهم، وفضَّلَه به (٢) من كرامتِه عليه، تجرى مِن تحتِهم أنهارُ الجنةِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: العداوةُ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بن بَشيرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾. قال: هي الإحَنُ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن عيينةَ، عن إسرائيل أبى موسى، عن الحسنِ، عن عليٍّ، قال: فينا والله أهلَ بدرٍ نزَلَتْ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].

