تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قال اللهُ لإبليسَ عندَ ذلك: فاهْبِطْ منها.
وقد بَيَّنا معنى الهبوطِ فيما مَضَى قبلُ بما أغنَى عن إعادتِه (١).
﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال اللهُ له: اهبِطْ منها. يعنى من الجنةِ، ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾. يقولُ: فليس لك أن تستكبرَ في الجنةِ عن أمرى وطاعتى.
فإن قال قائلٌ: وهل لأحدٍ أن يَتَكَبَّرَ [عن أمرِ اللهِ وطاعتِه في غيرِ الجنةِ فيقالَ: ليس لك أن تتكبَّرَ] (٢) في الجنةِ؟
قيل: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: فاهبِطْ مِن الجنةِ؛ فإنه لا يسكُنُ الجنةَ مُتَكَبِّرٌ عن أمرِ اللهِ، فأما غيرُها، فإنه قد يَسْكُنُها المستكبرُ
ص ١٠/ ٨٩
عن أمرِ اللهِ والمستكينُ لطاعتِه.
وقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾. يقولُ: فاخرُجْ مِن الجنةِ، إنك من الذين قد نالَهم مِن اللهِ الصَّغَارُ، وذلك (١) الذلُّ والمَهانةُ. يقالُ منه: صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغَارًا وصُغْرانًا. وقد قيل: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وصَغَارَةً. وبنحوِ ذلك (٢) قال السديُّ.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: والصَّغَارُ هو الذلُّ.
القولُ في تأويل قولِه ﷿: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.
وهذه (٣) جَهْلةٌ أُخرى من جَهَلاتِه الخبيثِ (٤)، سأل ربَّه ما قد علِم أنه لا سبيلَ لأحدٍ من خلقِ اللهِ إليه، وذلك أنه سأل النَّظِرةَ إلى قيامِ الساعةِ، وذلك هو يومُ يَبْعَثُ اللهُ فيه الخلقَ، ولو أُعطِى ما سأل مِن النَّظرةِ، كان قد أُعطِي الخلودَ، وبقاءً لا فناءَ معه، وذلك أنه لا موتَ بعد البعثِ.
فقال جلّ ثناؤُه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧، ٣٨، ص: ٨٠، ٨١]. وذلك إلى اليومِ الذي قد كَتَبَ اللهُ عليه فيه الهلاكَ والموتَ والفناءَ؛ لأنه لا شيءَ يَبْقَى فَلا يَفْنَى، غيرُ رَبِّنَا الحَيِّ الذي لا يموتُ. يقولُ اللهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧].
والإنظارُ في كلام العرب التأخيرُ، يقالُ منه: أنظرتُه بحقِّى عليه، أُنْظِرُه به إنْظارًا.

