تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.
وهذه (٣) جَهْلةٌ أُخرى من جَهَلاتِه الخبيثِ (٤)، سأل ربَّه ما قد علِم أنه لا سبيلَ لأحدٍ من خلقِ اللهِ إليه، وذلك أنه سأل النَّظِرةَ إلى قيامِ الساعةِ، وذلك هو يومُ يَبْعَثُ اللهُ فيه الخلقَ، ولو أُعطِى ما سأل مِن النَّظرةِ، كان قد أُعطِي الخلودَ، وبقاءً لا فناءَ معه، وذلك أنه لا موتَ بعد البعثِ.
فقال جلّ ثناؤُه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧، ٣٨، ص: ٨٠، ٨١]. وذلك إلى اليومِ الذي قد كَتَبَ اللهُ عليه فيه الهلاكَ والموتَ والفناءَ؛ لأنه لا شيءَ يَبْقَى فَلا يَفْنَى، غيرُ رَبِّنَا الحَيِّ الذي لا يموتُ. يقولُ اللهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧].
والإنظارُ في كلام العرب التأخيرُ، يقالُ منه: أنظرتُه بحقِّى عليه، أُنْظِرُه به إنْظارًا.
ص ١٠/ ٩٠
فإن قال قائلٌ: فإن الله ﵎ قد قال له إذ سأله الإنظارَ إلى يومِ يُبْعَثون: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. في هذا الموضعِ، فقد أجابه إلى ما سأل؟
قيل (١): ليس الأمرُ كذلك، وإنما كان يكونُ (٢) مُجِيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له: إنك مِن المُنْظَرِين إلى الوقتِ الذي سألتَ، أو إلى يومِ البعثِ، أو إلى يومِ يُبْعَثون. أو ما أشبهَ ذلك مما يدلُّ على إجابتِه إلى ما سأل مِن النَّظِرةِ.
فأما قولُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. فلا دليلَ فيه لولا الآيةُ الأخرى التي قد بَيَّن فيها مدةَ إنظارِه إياه إليها، وذلك قولُه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. كم (٣) المدةُ التي أنْظَره إليها؛ لأنه إذا أَنْظَرَه يومًا واحدًا أو أقلَّ منه أو أكثرَ، فقد دَخَلَ في عِدادِ المُنْظَرين، وتَمَّ فيه وعدُ اللهِ الصادقُ، ولكنه بَيَّنَ قدرَ مدةِ ذلك بالذي ذكرنا، فعُلِمَ بذلك الوقتُ الذي أُنْظِر إليه.
وبنحوِ ذلك كان السديُّ يقولُ.
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨، ص: ٧٩ - ٨١]. فلم يُنْظِرْه إلى يوم البعثِ، ولكن أنظَرَه إلى يومِ الوقتِ المعلومِ، وهو يومُ يُنفخُ في الصورِ النفخةُ الأولى، فصَعِقَ مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ فماتَ (٤).
فتأويلُ الكلامِ: قال إبليسُ لربِّه: ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾. أي: أَخِّرْنى وأَجِّلْنى:

