تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبقولِهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. ثم كذَّبهم اللهُ في قِيلِهم، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. يعني: وما قتَلوا عيسى، وما صلَبوه، ولكن شُبِّه لهم.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ التَّشبيهِ الذى شُبِّه لليهودِ في أمرِ عيسى؛ فقال بعضُهم: لمَّا أحاطَت اليهودُ به وبأصحابِه، أحاطوا بهم، لا يَثَّبَّتون معرفةَ عيسى بعينِه، وذلك أنهم جميعًا حُوِّلوا فى صورةِ عيسى، فأشكَل على الذين كانوا يُريدون قتلَ عيسى ابنِ مريمَ، عيسى مِن غيرِه منهم، وخرَج إليهم بعضُ مَن كان فى البيتِ مع عيسى، فقتَلوه وهم يَحْسَبونه عيسى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عَنْتَرةَ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قال: أُتِى عيسى، ومعه سبعةَ (٢) عشَرَ مِن الحواريِّين في بيتٍ، وأحاطوا بهم، فلما دخَلوا عليهم، صوَّرهم اللهُ كلَّهم على صورةِ عيسى، فقالوا لهم: سحَرْتُمونا، لَيَبْرُزَنّ لنا عيسى، أو لَنَقْتُلَنَّكم جميعًا. فقال عيسى لأصحابِه: مَن يَشْتَرى نفسَه
ص ٧/ ٦٥١
منكم اليومَ بالجنةِ؟ فقال رجلٌ منهم: أنا. فخرَج إليهم فقال: أنا عيسى. وقد صوَّره اللهُ على صورةِ عيسى، فأخَذوه فقتَلوه وصلَبوه، فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وقد ظنُّوا أنهم قد قتَلوا عيسى، وظنَّت النصارى مثلَ ذلك أنه عيسى، ورفَع اللهُ عيسى من يومِه ذلك (١).
وقد رُوِى عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ غيرُ هذا القولِ، وهو ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ (٢)، أنه سمِع وهبًا يَقولُ: إن عيسى ابنُ مريمَ لمَّا أعْلَمَه اللهُ جل ثناؤُه أنه خارجٌ من الدنيا جَزِع مِن الموتِ وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنَع لهم طعامًا، فقال: احْضُروني الليلةَ، فإن لى إليكم حاجةً. فلما اجْتَمَعوا إليه [مِن الليلِ] (٣) عَشَّاهم، وقام يَخْدِمُهم، فلمَّا فرَغوا مِن الطعامِ أخَذ يَغْسِلُ أيديَهم، ويُوَضِّئُهم بيدِه، ويَمْسَحُ أيديَهم بثيابِه، فتَعاظَموا ذلك وتَكارَهوه، فقال: ألا مَن ردَّ عليَّ شيئًا الليلةَ مما أَصْنَعُ، فليس مني، ولا أنا منه. فأقرُّوه حتى إذا فرَغ مِن ذلك، قال: أمَّا ما صنَعْتُ بكم الليلةَ مما خدَمْتُكم [على الطعامِ، وغسَلْتُ أيديَكم يبدى، [فَلْيَكُنْ لكم بي] (٤) أُسْوةٌ، فإنكم تَرَوْن أنى خيرُكم] (٥)، فلا يتعاظمْ (٦) بعضُكم على بعضٍ، ولْيَبْذُلْ بعضُكم نفسَه لبعضٍ، كما بذَلْتُ نفسى لكم، وأما حاجتي التي اسْتَعَنْتُكم عليها، فتدْعُون ليَ اللهَ، وتَجْتَهِدون فى الدعاءِ، أن يُؤَخِّرَ أَجَلى. فلما نَصَبوا أنفسَهم

