تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: تَنزِيلُ (١) الكتابِ الذي نزَّلناه عليك يا محمدُ، مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في انتقامِه مِن أعدائِه، الحَكيمِ في تدبيرِه خلقَه، لا مِن غيرِه، فلا تكوننَّ في شكٍّ من ذلك.
ورُفِع قولُه: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بقولِه: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. وتأويلُ الكلامِ: مِن الله العزيزِ الحكيمِ تنزيلُ الكتابِ. وجائزٌ رفْعُه بإضمارِ "هذا"، كما قيل: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]. غيرَ أن الرفعَ في قولِه: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بما بعدَه، أحسنُ مِن رفعِ ﴿سُورَةٌ﴾ بما بعدَها؛ لأن ﴿تَنْزِيلُ﴾ وإن كان فعلًا، فإنه إلى المعرفةِ أقربُ، إذ كان مضافًا إلى معرفةٍ، فحسُن رفعُه بما بعدَه، وليس ذلك بالحسنِ في ﴿سُورَةٌ﴾؛ لأنه نكرةٌ.
وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنا أنزَلنا إليك يا محمدُ الكتابَ. يعنى بالكتابِ القرآنَ، ﴿بِالْحَقِّ﴾.
يعنى: بالعدلِ. يقولُ: أنزَلنا إليك هذا القرآنَ يأمرُ بالحقِّ والعدلِ، ومِن ذلك الحقِّ والعدلِ أن تعبدَ الله مخلِصًا له الدينَ؛ لأن الدينَ له، لا للأوثانِ التي لا تملِكُ ضَرًّا ولا نفْعًا.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿الْكِتَابَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: يعنى القرآنَ (١).
وقولُه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاخْشَعْ لله يا محمدُ بالطاعةِ، وأخلِصْ له الألوهةَ، وأفرِدْه بالعبادةِ، ولا تجعَلْ له في عبادتِك إياه شريكًا، كما فعَله (٢) عَبَدَةُ الأوثانِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يُؤْتَى بالرجلِ يومَ القيامةِ للحسابِ، وفي صحيفتِه أمثالُ الجبالِ مِن الحسناتِ، فيقولُ ربُّ العزةِ ﵎: صلَّيتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: صلَّى فلانٌ. أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ، صُمْتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: صام فلانٌ. أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ، تصدَّقْتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: تصدَّق فلانٌ. أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ. فما يزالُ (٣) يمْحو شيئًا بعدَ شيءٍ، حتى تَبْقَى صحيفتُه ما فيها شيءٌ، فيقولُ ملَكاه: يا فلانُ، ألِغَيرِ اللهِ كنتَ تعملُ؟
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: