Commentaries: 3 shown of 13 indexed for this verse
Not indexed — coverage unknown: 572 more tafsir books in the library have no verse index, so they may still discuss this verse. Read them in the reader.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ ورسولِه، ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: أوفَوا بما عاهَدوه عليه؛ من الصَّبرِ على البأساءِ والضَّراءِ وحينَ البأسِ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. يقولُ: فمنهم مَن فرَغ من العملِ الذي كان نذَره للهِ، وأوجَبه له على نفسِه، فاسْتُشْهِد بعضٌ يومَ بدرٍ، وبعضٌ يومَ أحدٍ، وبعضٌ في غيرِ ذلك مِن المواطنِ. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاءَهن والفراغَ منه، كما قضَى مَن مضَى منهم على الوفاءِ للهِ بعهدِه، والنصْرِ من اللهِ، والظَّفَرِ على عدوِّه.
والنَّحْبُ: النذْرُ في كلامِ العربِ، وللنَّحْبِ أيضًا في كلامِهم وجوهٌ غيرُ ذلك؛ منها الموتُ، كما قال الشاعرُ (٣):
أي على خَطَرٍ عظيمٍ. ومنها النَّحِيبُ، يقالُ: نحَب في سيرِه يومَه أجمعَ. [إِذا مَدَّ، فلم يَنزِلْ يومَه] (٣) وليلَتَه، ومنها التنحيبُ، وهو الخطار، كما قال الشاعر (٤):
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومان: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أي وفَّوا الله بما عاهَدوه عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. أي: فرَغ من عملِه، ورجَع إلى ربِّه، كمَن اسْتُشهِد يومَ بدرٍ ويومَ أُحُدٍ، ومنهم مَن ينتظرُ ما وعَد الله مِن نصرِه، أو الشهادةِ على ما مضَى عليه أصحابُه (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، فقُتِل أو عاشَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾
لما ذكر ﷿ عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولّون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى
وقال البخاري: عهده (٢). وهو يرجع إلى الأول ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهد الله ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها: لم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁، الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٣) تفرد به البخاري دون مسلم، وأخرجه أحمد في مسنده والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما من حديث الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح (٤).
وقال البخاري أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ﵁ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ الآية (٥)، انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر.
قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عمِّي أنس بن النضر ﵁ سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غُيّبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ﷿ ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أُحد فاستقبل سعد بن معاذ ﵁، فقال له أنس ﵁: يا أبا عمرو أين واهًا (٦) لريح الجنة إني أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قُتل ﵁، قال: فوجد في جسده بضع وثمانين بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه ﵃ (٧). ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ورواه النسائي أيضًا وابن جرير من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ به نحوه (٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن
قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ اختلفوا فيمن نزلت على قولين:
أحدهما: أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك.
(١١٢٦) وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: غاب عمِّي أَنَس بن النَّضْر عن قتال بدر، فلمَّا قَدِم قال: غِبْتُ عن أوّل قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين، لئن أشهدني الله ﷿ قتالاً لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع، فلمّا كان يوم أُحُدٍ انكشف الناسُ، فقال: اللهم إِني أبرأُ إِليكَ ممَّا جاء به هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إِليك ممَّا صنع هؤلاء، يعني المسلمين ثم مشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، والذي نفسي بيده إِني لأجد ريح الجنة دون أُحُد، واهاً لريح الجنة.
قال سعد: فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بِضْع وثمانون جِراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورَمْيَة بسهم، قد مثَّلوا به قال: فما عرفناه حتى عرفتْه أختُه بِبَنانه قال أنس: فكنّا نقول: أُنزلت هذه الآية «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» فيه وفي أصحابه.
(١١٢٧) والثاني: أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله. روى النزَّال بن سَبْرة عن عليّ ﵇
ص ٣/ ٤٥٧
أنهم قالوا له: حدِّثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤٌ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى: «فمنهم من قضى نحبه» لا حساب عليه فيما يستقبل. وقد جعل بعض المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس.
قال ابن جرير: ومعنى الآية: وفوا الله بما عاهدوه عليه. وفي ذلك أربعة أقوال. أحدها: أنهم عاهدوا ليلة العقبة على الإِسلام والنصرة. والثاني: أنهم قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله ﷿ أن لا يتأخَّروا بعدها. والثالث: أنهم عاهدوا أن لا يفرُّوا إِذا لاقَواْ، فصَدَقوا. والرابع: أنهم عاهدوا على البأساء والضرَّاء وحين البأس.
قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: فمنهم من مات، ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس. والثاني: فمنهم من قضى عهده قُتل أو عاش، ومنهم من ينتظر أن يقضيَه بقتال أو صدق لقاءٍ، قاله مجاهد. والثالث: فمنهم من قضى نَذْره الذي كان نذر، قاله أبو عبيدة. فيكون النَّحْب على القول الأول: الأَجْل وعلى الثاني: العهد وعلى الثالث: النَّذْر. وقال ابن قتيبة: «قضى نحبه» أي: قُتل، وأصل النَّحْب: النَّذْر، كأن قوماً نذروا أنهم إِن لَقُوا العدوَّ قاتَلوا حتى يُقتَلوا أو يَفتَح اللهُ عليهم، فقُتِلوا، فقيل: فلان قضى نَحْبَه، أي: قُتِل، فاستعير النَّحْب مكان الأَجَل، لأن الأَجَل وقع بالنَّحْب، وكان النَّحْبُ سبباً له، ومنه قيل: للعطيَّة: «مَنْ» ، لأن من أعطى فقد مَنَّ. قال ابن عباس: ممَّن قضى نَحْبه: حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النَّضْر وأصحابه. وقال ابن إِسحاق: «فمنهم من قضى نحبه» من استُشهد يوم بدر وأُحُدٍ، «ومنهم من ينتظرُ» ما وعد اللهُ من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه وَما بَدَّلُوا أي: ما غيَّروا العهد الذي عاهدوا ربَّهم عليه كما غيَّر المنافقون.
قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما عاهدوا الله تعالى عليه وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ بنقض العهد إِنْ شاءَ وهو أن يُميتَهم على نفاقهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ في الدنيا، فيخرجَهم من النفاق إِلى الإِيمان، فيغفر لهم.
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني الأحزاب، صدَّهم ومنعهم عن الظَّفَر بالمسلمين بِغَيْظِهِمْ أي: لم يَشْفِ صدورهم بِنَيْل ما أرادوا لَمْ يَنالُوا خَيْراً أي: لم يظفروا بالمسلمين، وكان ذلك عندهم خيراً، فخوطبوا على استعمالهم وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالريح والملائكة، وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ أي:
عاونوا الأحزاب، وهم بنو قريظة، وذلك أنهم نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد، وصاروا مع المشركين يداً واحدة.
Footnotes are the editor's words, not the author's.