Skip to content

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير أدب واقتداء

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Printed page ٣٢٩

وجاء في الفقرة الثانية من الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا، قول عيسى ﵇:

"وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ أَن يَّعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِي وَحْدَكَ، وَشُمُوعُ الْمَسِيحِ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ".

وأمثال هذا فيما عندهم كثير.

أدب واقتداء:

على الداعي إلى الله والمناظر في العلم، أن يقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقناع الخصم بالحق وجلبه إليه؛ فيقتصر من كل حديثه على ما يحصل له ذلك، ويتجنب ذكر العيوب والمثالب، ولو كانت هنالك عيوب ومثالب؛ إقتداء بهذا الأدب القرآني النبوي في التجاوز مما في القوم عن كثير، وفي ذكر العيوب والمثالب خروج عن القصد وبعد عن الأدب، وتَعَدٍّ على الخصم وإبعاد له، وتنفير عن الاستماع والقبول، وهما المقصود من الدعوة والمناظرة:

نعمة الإظهار والبيان ... بالرسول والقرآن

ولقد كان الناس: أهل الكتاب وغيرهم، قبل بعثة النبي- ﵌ في ظلام من الجهل وبأنبيائه وبشرعه، ومن الجهل بآيات الله في أنفسهم وفي الكون، ومن الجهل بنعم الله عليهم (١) في أنفسهم بالعقل والفكر والاستعداد للخير والكمال، وفي العالم المسخر لهم بما أودع فيه من مرافق العيش والعمران والحياة، ومن الجهل بقيمة أنفسهم الإنسانية وكرامتها وحريتها.

فلما بعث الله محمداً- ﵌ كان بقوله وبفعله وبسيرته معرفاً للخلق بما كانوا يجهلون؛ فكان نوراً سطع في ذلك الظلام الحالك فبدده عن البصائر.

وكما أن النور الكوني يجلو الموجودات الكونية للأبصار فكذلك كان محمد ﷺ ذلك النور الرباني، يجلو تلك الحقائق للبصائر.

وكما أن النور الكوني يظهر الموجودات الكونية، فلا يحرم منها إلاّ معدوم البصر، فكذلك كان محمد- ﵌ ذلك النور الرباني، مجلياً للحقائق للبشرية كلها، ولا يحرم من إدراكها إلاّ مطموسو البصائر، الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم.

وكما كان محمد- ﵌ نوراً تنبعث من أقواله وأفعاله وسيرته الأشعة الكاشفة للحقائق- كذلك كان الكتاب الكريم الذي أنزله الله عليه، يبين بسوره وآياته وكلماته تلك الحقائق أجلى بيان.

فبمحمد ﵌، وكتابه، تمت نعمة الله تعالى على البشرية كلها، بإظهار