Skip to content

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير إستطراد واستنباط

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Printed page ٢٩٧

يشكل على ذلك مثل ما تقدم من الآيات في إنذار عشيرته الأقربين، وقومه العرب، لأنه ابتدأ بهما، لحكمة التدريج، وحق القريب، لا للتخصيص بدليل ما جاء من آيات التعميم.

إقتداء:

هكذا على المرء أن يبدأ في الإرشاد والهداية بأقرب الناس إليه، ثم من بعدهم على التدريج.

وعندما يقوم كل واحد منا بإرشاد أهله وأقرب الناس إليه، لا نلبث أن نرى الخير قد انتشر في الجميع: فمن الأُسَرِ تتركب الأمة؛ فعندما يعنى كل واحد بأسرته ترتقي الأمة كلها بارتقاء أسرها، كارتقاء أي كل بارتقاء أجزائه؛ فيكون المعتني بأسرته في الوقت نفسه معتنياً بأمته. وعندما يقصد بخدمة أسرته خدمة أمته يثاب ثواب خادم الجميع: أسرته بالفعل، وأمته بالقصد، أو أسرته مباشرة وأمته بواسطة، وكل هذا مما يثاب المرء شرعاً عليه.

إستطراد واستنباط:

لما كان العرب لم يأتهم نذير قبل النبي- ﵌ بنص هذه الآية وغيرها، فهم في فترتهم (١) ناجون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

ولقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. وغيرهما، وكلها آيات وقواطع في نجاة أهل الفترة.

ولا يستثنى من ذلك إلاّ من جاء فيهم نص ثابت خاص: كعمرو بن لحي أول من سَيَّبَ السوائب، وبدل في شريعة إبراهيم وغير، وحلل للعرب وحرم.

فأبوا النبي- ﵌ ناجيان بعموم هذه الأدلة.

ولا يعارض تلك القواطع حديث مسلم عن أنس ﵁:

أن رجلًا قال للنبي- ﵌: يا رسول الله، أين أبي؛ قال: «في النار». فلما قَفَّى (٢) الرجل دعاه، فقال: «إن أبي وأباك في النار» (٣)، لأنه خبر آحاد (٤)، فلا يعارض القواطع. وهو قابل للتأويل بحمل الأب على العم مجازاً، يحسنه المشاكلة اللفظية، ومناسبته لجبر خاطر الرجل، وذلك من رحمته ﷺ وكريم أخلاقه.