Skip to content

جامع العلوم والحكم - ت الفحل الحديث الثامن عشر

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Printed page ٣٨٨

علمتَ أنَّه يراك فلم يمنعك منه ما منعك مِن أضعف خلقه لقد اجترأت عليه (١).

دخل بعضُهم غَيضةً (٢)

ذات شجر، فقال: لو خلوتُ هاهنا بمعصيةٍ مَنْ كان يراني؟ فسمع هاتفاً بصوت ملأ الغَيْضَةَ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ

الْخَبِيرُ﴾ (٣) (٤).

راود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟

رأى محمد بن المنكدر رجلاً واقفاً مع امرأة يُكلمها فقال: إنَّ الله يراكما سترنا الله وإياكما.

قال الحارثُ المحاسبي: المراقبةُ علمُ القلب بقرب الربِّ (٥). وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره.

وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ:

إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ: … خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ

ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً … ولا أنَّ ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ (٦)

وكان ابنُ السَّماك ينشد:

يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي … والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا

غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ … وستْرُهُ طولَ مَساوِيكَا

والمقصود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما وصَّى معاذاً بتقوى الله سِرَّاً وعلانيةً، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك وهو أنْ يستحييَ من الله كما يستحيي من رجلٍ ذي هيبةٍ من قومه. ومعنى ذلك: أنْ يستشعِرَ دائماً بقلبه قُرْبَ الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه.