السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني
المبحث السادس عشر: انتقال الرسول إلى الله تعالى
أسلمت الجزيرة كلها، وأخذ الفرس والروم في تفهم الإسلام والتعامل معه وتأكدت حقائق الدين بكل جوانبه، فتمت مصادره، وتحددت معالمه، ونزل كل ما يحتاجه الإسلام من وحي الله تعالى ولذلك نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٢.
وقد فهم كثير من الصحابة أن هاتين الآيتين فيهما نعي رسول الله٣ وإخبار بقرب انتقاله ﷺ إلى الله تعالى؛ لأن الرسالة هي غاية مجيء محمد ﷺ إلى الدنيا، فإذا ما كملت الرسالة وتم الدين ونزل ما رضيه الله للناس لم يعد هناك داع لبقاء رسول الله ﷺ في الحياة بين الناس.
وقد أعد الله الأمة لتقبل رحيل رسول الله ﷺ فدارس جبريل ﵇ محمدا ﷺ بالقرآن في رمضان الأخير مرتين، وكان يدارسه قبل ذلك في كل رمضان مرة واحدة.
وعلم النبي أصحابه على إدارة شئون الحياة، والمحافظة على الإسلام، والحركة بالدعوة عن طريق قيادة السرايا، وإدارة شئون المدينة، وإقامة الصلاة، والدعوة إلى الإسلام فرادى وجماعات، في إطار تعاليم الله الثابتة، ومنهجه الذي يحرص المسلمون على تطبيقه، وصيانته من كل عبث، والدفاع عنه ضد كل معتد أثيم.
وبكل هذا أدى الرسول وظيفته، وأتم الغاية التي خلق لها، ووصل إلى النهاية.
وجاء وقت الرحيل، فاعتكف ﷺ في رمضان من العام العاشر عشرين يومًا وكان يعتكف قبل ذلك عشرًا، وجاءه جبريل فدارسه القرآن مرتين، وكان يدارسه