تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء
وقال ابن عطية: قوله تعالى (في أخراكم) مدح للنبي ﵇ فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن باطا ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا، وكذلك كان رسول الله ﷺ أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ.
(فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ) ذهب الطبري إلى أن (الباء) بمعنى (على) والمعنى: فجازاكم على معصيتكم ومخالفتكم أمر الرسول غماً على غم، كقوله (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي: على جذوع النخل، وقد رجح هذا القول ابن القيم.
وقيل: غماً متصلاً بغم، وقيل
• غم الهزيمة، وغم بفوات النصر، وغم بانهزامكم، وغم فراركم، وغم إشاعة: إن الرسول ﷺ قد مات.
• قيل: جَازَاكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بِفِرَارِكُمْ عَنْهُ وَأَسْلَمْتُمُوهُ إلَى عَدُوّهِ فَالْغَمّ الّذِي حَصَلَ لَكُمْ جَزَاءً عَلَى الْغَمّ الّذِي أَوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيّهِ، لكنه قول ضعيف.
(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) أي: من النصر والغنيمة.
(وَلا مَا أَصَابَكُمْ) أي: من القتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول ﷺ لم يقتل، هانت عليكم تلك المصائب، واغتبطتم بوجوده المسلّي عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم. (تفسير السعدي).
• هذه الحكمة من إصابتهم غماً بغم، وهي أن كل غم ينسي الغم الذي قبله.
قال ابن القيم: ثُمّ ذَكّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مُصْعِدِينَ أَيْ جَادّينَ فِي الْهَرَبِ وَالذّهَابِ فِي الْأَرْضِ أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نَبِيّهِمْ وَلَا أَصْحَابِهِمْ وَالرّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ إلَى عِبَادِ اللّهِ أَنَا رَسُولُ اللّهِ فَأَثَابَهُمْ بِهَذَا الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ غَمّا بَعْدَ غَمّ غَمّ الْهَزِيمَةِ وَالْكَسْرَةِ وَغَمّ صَرْخَةِ الشّيْطَانِ فِيهِمْ بِأَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ.