دروس الشيخ عائض القرني
عبودية الخوف من الله ﷾
ولذلك ذكر الذهبي في ترجمة ابن أبي ذئب - المحدث الموجه باني الأجيال - أن المهدي الخليفة العباسي دخل المسجد النبوي والناس جلوس وطلبة العلم في حلقاتهم، فلما رأوا الخليفة قاموا إلا ابن أبي ذئب لم يقم من مكانه، فقال المهدي للعالم ابن أبي ذئب: أما عرفتني؟ لِمَ لَمْ تقم لي؟ فقال ابن أبي ذئب: والله لقد هممت أن أقوم لك، فتذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت القيام لذاك اليوم.
فهؤلاء أناس عرفوا مقام العبودية.
ومن أعظم مقامات العبودية: الخوف من الله ﷾.
فقد أثنى الله على الخائفين، ومدح المخبتين، وذكر ﷾ المنيبين إليه بأحسن الصفات، وأجل القربات والطاعات، ولذلك يقول ﷾: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ولذلك يقول بعض أهل العلم: كل شيء تقرب منه تأمنه إلا الله، فكلما اقتربت من الله خفت منه، أما يقول عز من قائل عن العلماء المخلصين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فذكرهم بالخشية والخوف وقربهم منه ﷾، ولذلك كان أكثر الناس خوفاً ووجلاً وخشية رسول الله ﷺ، قال لـ ابن مسعود، وهو أحد تلاميذ رسول الله ﷺ الأبرار، وأحد خريجي تلك المدرسة التي ما عرفت البشريةُ مدرسةً مثلَها، مدرسة حياة الإنسان، وصنع الأجيال، ورقي القلوب، وزيادة الأرواح إلى بارئها ﷾، لأننا -أيها الإخوة الأخيار! - قبل مبعث الرسول ﷺ كنا أمواتاً، ما كانت عندنا حياة؛ لا حضارة ولا معرفة، لا رُقي ولا تقدم ولو دجل الدجالون من القوميين وأذنابهم فليس عندنا حضارة ولا رقي ولا ثقافة إلا بدعوته ﷺ، فمن تلك الفترة بدأ تاريخنا، ولذلك يقول عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فبدأنا الحياة يوم أتى ﷺ، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] أو مَن كان ميتاً في جهله ومعصيته، وشهوته وشبهته كمن أحياه الله بالإيمان.
والشاهد من ذلك أن الرسول ﷺ قال لـ ابن مسعود، هذا التلميذ البار الحبيب النجيب؛ الذي كان قوة متفجرة في توجيه الأمة، وإن كان هزيلاً في جسمه ضعيفاً في بنيته ضئيلاً في هيكله لكنَّ ديننا لا يعترف بالأجسام، وإنما يعترف بالقلوب والأرواح، فلما أتى ﷺ جعل من هذه القلوب مادة قوية توجه الناس، وتضيء للحائرين، يقول أهل السير عن ابن مسعود: كان ضئيل البنية إذا وقف بجانب الرجل القاعد وازاه في القامة.
﴿صعد مرة شجرة فأخذت الريح تهز هذه الشجرة وهو على أغصانها، فتضاحك الناس من دقة سافيه -فبيَّن ﷺ أن الضحك ليس له مجال هنا- فقال النبي ﷺ: أتعجبون من دقة ساقية؟ والذي نفسي بيده إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾ بالإيمان واليقين والاتصال بالله.
قال له ﷺ: ﴿اقرأ علي القرآن - كما في الصحيحين - قال: يا رسول الله! أأقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟ - هذا هو الأدب والحياء، وهذا خجل من أهل الفضل - قال ﷺ: اقرأ عليَّ القرآن فإني أحب أن أسمعه مِن غيري، فقرأ ﵁ على الرسول ﷺ، والرسول يستمع، فلما بلغ قوله ﷾: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] أخذ ﷺ يبكي، ويقول: حسبك الآن﴾ حسبك فقد أبلغت، وحسبك فقد أثرت، وحسبك فقد وصل الكلام مكانه ومستقره، هذا وهو رسول الله ﷺ؛ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم الله عليه نعمته ظاهرة وباطنة، لكنه ما اغتر وما انخدع وما زاده ذلك إلا عبادة وخوفاً.
كان يقوم ﵊ في الليل يستمع إلى الصحابة وهم يقرءون القرآن:
عُبَّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأُسْدُ غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
استمع ﷺ إلى أبي موسى في الليل وهو يقرأ القرآن بصوته الشجي الندي مع الصدى العجيب، وفي الصباح قال له ﷺ: ﴿يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقرائتك، لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داوُد، فقال أبو موسى ﵁ وأرضاه: أكنت تستمع إليَّ يا رسول الله؟ قال: إي والذي نفسي بيده، قال: والله لو كنت أعلم أنك تستمع إليَّ لحبرته لك تحبيراً﴾ أي: حسنته وزينته وجملته بالصوت الحسن، فكان ﵊ يحب أن يسمع القرآن؛ لأنه يذكره بالخوف والخشية من الله ﵎.
وفي تفسير ابن أبي حاتم بسند حسن، قال أبو هريرة: ﴿ذهب ﷺ ذات ليلة بعد أن أظلم الليل، فمر بسكة من سكك المدينة وإذا بعجوز تقرأ القرآن، فوضع ﷺ رأسه على صائر الباب، وأخذ يستمع إليها - عجوز مُسِنَّة كبيرة طاعنة في السن لكن قلبها حي مع الله - فأخذت تردد قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وكانت ترددها وهي لا تدري أن الرسول ﷺ يستمع إليها، ويقول: نعم أتاني نعم أتاني، كلما قالت: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] قال: نعم أتاني، نعم أتاني، نعم أتاني﴾.
لقد عرف السلف الصالح مقام الخوف فجعلوه من أعظم المقامات الموصلة إلى الله، ولذلك لام الله ﷿ ومَقَتَ البشرية جمعاء على عدم خوفهم من الله؛ إلا بقايا من أهل الكتاب.
رُوي في كتاب الزهد للإمام أحمد بسند جيد، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿عجباً لك يا بن آدم! خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتذكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي! خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد!﴾ وهذه صفة العبد إذا تمرد على الله وخرج على حدود الله وترك رقابة الله.