Skip to content

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Printed page ١٣٠/ ١٠

اللقاء الأول للنبي مع الجن

أما اللقاء الأول: فسوف أعرضه لكم:-

خرج ﵊ من مكة، قبل الهجرة؛ لأنه أوذي ﵊ ودبروا له اغتيالاً في مكة، وأحاط كفار قريش ببيته -كما تعرفون- وسلّوا السيوف عليه يريدون قتله، فأنجاه الله ﷿، وخرج من بيته وترك علياً في الفراش، وحثا على رءوسهم بالتراب.

وقبل هذه القصة: خرج ﵊، يريد أن يدعو أهل الطائف؛ لأن أهل مكة رفضوا أن يستجيبوا؛ إلاَّ أربعة أو خمسة من العبيد، وأبو بكر وعلي، فخرج مريداً أن يهدي الله على يديه أهل الطائف، عَلَّ أهل الطائف أحسن حالاً من أهل مكة؛ لكن:

وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا

خرج ﵊ وصعد جبال الطائف، في الحاجزة، بين مكة والطائف، لا رفيق له ولا مؤنس ولا صاحب إلا الله، ما عنده زاد من الطعام أو الشراب، زاده يقينه وذكره لله ﷿، وما عنده مركوب يركبه من الجمال ولا من الخيل، مركوبه: التوكل على الله ﷿، وما عنده عصا يتكئ عليها، إنما يتكئ ويتوكل على الحول والقوة بالله ﷾.

هذا الرسول العظيم، الذي لو أراد أن تسير له جبال الدنيا ذهباً وفضة لسُيِّرَت، بقي جائعاً متعباً مكدوداً سهران ظمآن حتى وصل إلى الطائف بعد ليالٍ.

فلما دخل الطائف ما جلس، ولا أكل، ولا شرب، وما استضافه أحد، وما استقبله أحد؛ إنما عمد إلى نادٍ يجتمع فيه أهل الطائف جميعاً، فسلم عليهم فلم يردوا ﵇؛ لأنهم وثنيون جاهليون، يحملون الوثنية في رءوسهم، (ولا إله إلا الله) ما اندمغت وما دخلت في أدمغتهم (لا إله إلا الله) فقال: ﴿إني رسول لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا﴾ فتهكموا، واستهزءوا، وتضاحكوا، وأتوا بكلمات نابية مؤلمة، على الجوع والظمأ والتعب والسهر الذي أصابه.

يقول أحدهم له: أما وجد الله من الناس أحداً إلا أنت حتى أرسلك؟

ويقول الثاني المستهزئ المستهتر: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك.

ويقول الثالث: إن كنت رسولاً فأنت أكرم من أن أكلمك.

فعاد ﵊ ولَيْتَهم تركوه يوم رفضوا دعوته وتركوا مبادئه لكن انظر إلى الخبث، وانظر إلى اللؤم، أرسلوا عليه العبيد والأطفال يرجمونه بالحجارة، حتى أسيلت قدماه، وكان بالإمكان وفي قدرة الواحد الأحد أن يحميه بملائكة، كل ملَك يستطيع أن يدمر الدنيا بجناحيه؛ لكن الله حكيم ﷾، يريد أن يُؤْذَى هذا الرسول، ويؤجر، ويصبر؛ ليكون قدوة للناس.

وأتى ملَك الجبال، فقال: ائذن لي أن أطبق عليهم الأخشبَين، قال: ﴿لا.

إني أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾.

وأتى ملَك الريح، فقال: أتريد أن أرسل عليهم الصَّرْصَر؟ قال: ﴿لا.

اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ أو كما قال ﵊.

فنزل ﵊ تلك الليلة إلى وادي نخلة، بين مكة والطائف، وفي الليل الدامس الذي لا يجد له فيه قريباً ولا رحيماً، بل قربُه من الحي الأحد، توضأ وقام يصلي، ورفع صوته بالقرآن يستأنس به في الوحشة، حيث كان أكبر مؤنس للرسول ﵊ في وحشته وفي سفره القرآن، فقام يقرأ القرآن.

وانظروا إلى هذه الأعجوبة:

أرسل الله له جن نصيبين في تلك الليلة، حتى ملئوا الوادي يستمعون القرآن، فأخذ ﷺ يرفع صوته بكلام الله ﷿ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] أين الجواب؟

ماذا يستفاد من الآية الآن؟

قال ﷾: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] فأين يكون الجواب في الآية؟

الجواب هنا مضمر، ومعنى الآية: لو أن هناك قرآناً تُسَيَّر به الجبال، وتُقَطَّع به الأرض، ويُكَلَّم به الموتى، لكان هذا القرآن.

سكت الله عن الجواب؛ لأنه مفهوم، قال: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد:٣١] بمعنى: أفلم يتيقن.

وييئس: ليست بلغة قريش، بل بلغة النخع، [[سئل ابن عباس: ما معنى ييئس؟ قال: (ييئس) معناه يتيقن ويعلم، على لغة النخع]] أي: على قبيلة النخع، فالقرآن نزل بهذه اللغات.

إنما الشاهد: أن الرسول ﵊ قام يقرأ القرآن، فأتاه جن نصيبين، وقل لي بربك: كم بين نصيبين ومكة؟ إنها تُطْوَى في أشهُر بالأقدام، لماذا؟ لأنهم عفاريت، أتوا يطيرون طيراناً، أسبق من الريح.

فوقفوا بجانبه ﵊ وجلسوا، وكان من أدبهم أن سيدهم يقال له: (خنزب) أو غير ذلك، يقول لهم: اسكتوا، أنصتوا، فأخذوا ينصتون، ولكنهم كان بعضهم يركب بعضاً حتى يقتربوا من الرسول ﵊ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩].

لكن يقول الله ﷿ في أول السورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:١] قل للبشرية: ﴿قُلْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١].

يقول سيد قطب ﵀: عجباً! حتى الجن يتذوقون القرآن؟! حتى الجن يدركون بلاغة القرآن؟! حتى الجن تسمو أفهامهم إلى معرفة القرآن؟! ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الجن:١ - ٥].

فلما وصلوا إلى هذا قالوا في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ [الجن:٩].

من أخبر الجن أن الرسول ﷺ يقرأ القرآن في وادي نخلة، بين مكة والطائف؟

قال ابن عباس ﵄: [[إن الجن منعوا من الاستماع إلى السماء]]؛ لأنه كان قبل إرسال الرسول ﵊ وإنزال الوحي، كان الجني يركب الجني، هكذا على رأسه، ثم يأتي الثالث على رأس الثاني، وهكذا حتى يصبحوا كأنهم مسبحة أو عِقد منظوم إلى السماء، فأعلاهم يسمع الوحي، فيبلغ الذي من تحته؛ حتى يبلغه الأرض، فيأخذ الكهنة والسحرة بعض الكلمات، فيضيفون عليها مائة كذبة.

فلما نزل الوحي أراد الله أن يحمي الوحي؛ ليكون الإرسال صافياً قوياً، لا يدخل معه تشويش آخر، فأرسل الله الشهب على الجن فكانت ترميهم في كل مكان.

فقال سيد الجن: اذهبوا في أنحاء الأرض، في البحار، وفي الديار، فإن في الأرض أمراً حَدَثَ، ما ندري ما هو؟ فذهبوا يبحثون، ما هو الأمر الجديد الذي حدث؟ فتفرقوا، فأما جن نصِيْبِيْن فهم الذين وُفِّقُوا ووجدوا السر، وجدوا الرسول ﵊ يقرأ القرآن في وادي نخلة، فعرفوا أن هذا هو السر.

﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن:٩] أي: من السماء ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:٩ - ١٠] انظر، ما أحسن الأدب! لم يقولوا: وأنا لا ندري أشرٌ أراد الله بأهل الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، لكن استحيوا من الله، فقالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ [الجن:١٠] وسكتوا عن ضمير الجلالة وعن لفظ الجلالة، ولما أتى الخير قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠].

وذلك مثل إبراهيم ﵇ يوم قال في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨٠] قال: وإذا مرضت أنا، والذي يمرض هو الله؛ لكنه تأدب مع الله ﵎.

فلما انتهى ﷺ من قراءة القرآن، وسلم من الصلاة، تفرقوا وضربوا بقاع الأرض، ووصلوا إلى قومهم في اليمن، ودعوهم إلى (لا إله إلا الله) ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢] رجعوا دعاة.

انظر كيف أتوا في ليلة واحدة ورجعوا يدعون إلى توحيد الله ﷿! وعاد ﷺ ومعنوياته مرتفعة، ونفسه مرفرفة بالتوحيد، يوم أوجد الله لدعوته قبولاً ﵊.