دروس للشيخ محمد المنجد
الغيرة وعلاج النبي ﷺ لها
لقد كان النبي ﷺ يعتني في ظل ما يعتني به علاج الغيرة، والغيرة أمر طبعي عند النساء، والغيرة هي: الحمية والأنفة، أمر معلوم ومشاهد، ومعروف ومنتشر، فإن من طبيعة النساء الغيرة صحيح أن التي تغار أو عندها هذه الغيرة الشديدة يحتمل منها ما لا يحتمل من غيرها من النساء اللاتي ليس عندهن هذه الغيرة، لكن لا بد من موقف، وقد كانت تربيته ﷺ لزوجاته في قضية الغيرة تربية عظيمة، تدل على حكمته ﷺ، وعلاجه للأمور بالرفق والتأني.
هذه المرأة التي خلقت من ضلع أعوج، إن جئت تقيمه كسرته وكسرها طلاقها، فعن أنس قال: كان النبي ﷺ عند إحدى أمهات المؤمنين، فأرسلت إليه أخرى بقصعة فيها طعام، قيل إنها صفية وكان طبخها جيد للغاية، فأرسلت بصحفة من طعام إلى بيت النبي ﷺ وكان عند عائشة، فضربت عائشة يد الرسول الذي أتى بها وهي الجارية التي أتت بالصحن، ضربت يدها فسقطت القصعة فانكسرت من غيرتها، فأخذ النبي ﷺ الكسرتين بغاية الهدوء فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام الذي انسكب على الأرض، أو ألقي على الأرض، جمعه في الصحفة، بعد أن لم الكسرتين بعضهما إلى بعض، ويقول ﵊ لمن معه: (غارت أمكم، كلوا).
هذا تعليقه ﷺ، أمكم أم المؤمنين غارت فكلوا، فأمرها حتى جاءت بقصعتها مكان التي كسرت، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول -الجارية الصغيرة التي جاءت- وترك المكسورة في بيت التي كسرتها، غاية العدل والهدوء والاتزان منه ﷺ في علاج هذا الأمر.
وفي رواية عن أم سلمة أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى النبي صلى عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة مؤتزرة بكساءٍ ومعها فهر -وهو حجر ملء الكف- ففلقت به الصحفة، فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (كلوا غارت أمكم) مرتين.
وعن عائشة في رواية قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناءً فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي ﷺ عن كفارته -ندمت ورجعت- فقال: (إناء كإناء وطعام كطعام) أن تردي لها إناءً كإنائها وطعاماً كطعامها، كالطعام الذي أفسدتيه.