Skip to content

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Printed page ٤٤/ ٣

التضرع إلى الله والدعاء بصلاح الذرية

أيها الأحبة: ابتداءً فليعلم أن الهادي هو الله ﷾، وهذا شيء مقرر ومسلّم به، قال الله ﷾: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠]، وقال سبحانه: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، فأمر الهداية بالدرجة الأولى موكول إلى الله ﷾، والشقاوة أو السعادة مكتوبة على العبد وهو في بطن أمه، كما ذكر النبي ﷺ في حديث ابن مسعود وغيره: (إن الملك يأتي فيؤمر بأربع: بكتب أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد)، كل ذلك مقدر على العبد وهو في بطن أمه، وقال النبي ﷺ: (الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً)، فيجب أن يعلم أن المهتدي هو من هداه الله ﷾.

ويجب علينا أن نتجه إلى ربنا ﷾ نسأله إصلاح الذرية، كما هو حال أهل الإيمان، فهم دائماً يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] وقرة الأعين: ما تستقر به العين فلا تنظر إلى غيره.

مثال ذلك: لو أن عندك زوجة دميمة فإنك كلما رأيت امرأة حسناء اتجه نظرك إليها، بخلاف ما لو كانت زوجتك أحسن النساء ما امتد بصرك إلى غيرها، وكذلك لو كان ولدك أعقل الأولاد وأهدأ الأولاد ما امتد بصرك إلى غيره، ولذلك كان أهل الإيمان يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] أي: ما تستقر به الأعين ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].

وذكر الله ﷾ حال هذا الرجل الذي بلغ أشده وبلغ أربعين سنة فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥] فدعا ربه أن يصلح له ذريته.

وهكذا أيضاً إبراهيم الخليل ﷺ، يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، ويطلب زكريا ﵊ نحواً من هذا فيقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦]، ويقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨].

فالصلاح والهدى في الأصل من الله ﷾.

وهذا يوسف ﷺ تربى في بيوت الملوك من أهل الكفر، ثم أخذ وألقي به في السجن مع طائفة من المجرمين الخمارين، والسرق واللصوص، ومع ذلك كله حفظه الله ﷾، حفظه وهو غلام وسيم أوتي شطر الحسن كما قال النبي ﷺ: (أوتي يوسف ﷺ شطر الحسن) -أي: نصف جمال الكون- ومع ذلك حفظه الله سبحانه، فلم تمتد إليه يد عابث وتناله بشيء من السوء.

وهذا الغلام صاحب قصة أصحاب الأخدود أبواه كافران، ولم يذكر عنهما الإيمان، وأرسل كي يتعلم السحر، فمن الذي هداه إلى الراهب كي يتعلم منه الإيمان ويكون من أمره ما كان؟! إنه الله ﷾.

فجديرٌ بنا أن نتوجه بالدعاء إلى الله ﷾، ونبتهل إليه كي يصلح لنا الذريات، فهذا شأن أهل الإيمان، فهم دائماً يطلبون من الله ﷾ أن يصلح لهم النية والذرية، فإن المؤمن مهما أوتي من براعة وطاعة لله وفنٍ للدعوة إلى الله فأمر الهداية ليس إليه، فهذا نوح ﵊ ينادي ولده ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] فيقول الولد الشقي: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] ولم تجد دعوة نوح ﷺ مع ولده.

فجديرٌ بنا أن نكثر من الدعاء لصلاح الذريات، وبعد ذلك كل ما سيأتي إنما هو من باب الأسباب والمسببات.