Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني زوجات النبي ﷺ وفضل عائشة

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Printed page ٨٥/ ٤

زوجات النبي ﷺ وفضل عائشة

قال عمر: (فأفزعني ذلك، وقلت: أوتفعل حفصة ذلك؟!) ولم يقل: أتفعل عائشة، أتفعل أم سلمة؛ لأن الإنسان إنما يكون عطوفاً على ولده، يبحث عن ولده قبل أن يبحث عن غيره، ما ذكر إلا حفصة وقال: (لقد خابت وخسرت، ثم جمع ثيابه ونزل في الحال، وقال: أي بنية! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ وتهجره اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم.

قال: وما يؤمنكِ أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تسألي النبي ﷺ ولا تراجعيه، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ).

الإمام البخاري ﵀ بوب على هذا الحديث لأجل هذه الفقرة، قال: (باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها)، يا ليت الآباء الذين زوجوا بناتهم يتعلمون من هذا الدرس، (باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها).

أي رجل منا له بنت فزوجها ذراعه مكسور مهما كان ملكاً مطاعاً، وإذا كان زوج البنت ليس بذاك الرجل النبيل، ومع ذلك أنت ممكن تنفق على بنتك، وتعطيه مالاً، وتثني عليه بما ليس فيه ليستقيم الحال بخلاف الولد.

فأنت ينبغي عليك أن تعين زوج ابنتك، ولا تحرض ابنتك عليه، ومن المشاكل الكثيرة الشائعة التي زلزلت البيوت أن الأب مثلاً ممكن يذهب فيقرّع زوج البنت أمام البنت، يقول له: أنت غلطان، وهي محقة، المفروض تفعل كذا وكذا لا يا أخي! ينبغي أن تظل قوامة الرجل كما هي، ولا توغر صدره، مر ابنتك بالمعروف والإحسان، فإذا خلوت بزوجها فمره بالإحسان، لكن لا تسمح لابنتك أن تذكر سيئات الزوج هكذا أمامه، كل هذا رعاية لصدر الزوج، وإعمالاً لتمام قوامته على المرأة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁، قال لها: (لا تسأليه، ولا تستكثريه، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ.

ثم قال لها: ولا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ وأحب إلى النبي ﷺ -وهو يريد بذلك عائشة-) يريد أن يقول لها: إن عائشة أجمل منكِ، ولها دلال على النبي ﵊، فقد يحتمل ذلك لها لمكانتها عنده، فإذا حاولت أن تقلديها لا يحتمل لكِ؛ لأنه ليس لكِ من المكانة مثل ما لها.

وكانت عائشة ﵂ محبوبة جداً لدى النبي ﵊، وكان النبي ﷺ لا ينكر ذلك، بل كان يبديه أحياناً، لما حدث بينه وبين بعض زوجاته كلام بشأن عائشة قال: (لا والله، ما نزل الوحي في لحاف امرأة غيرها) وجعل هذا منقبة لها، وكان هذا -كما قلت سابقاً- لا ينكره النبي ﵊ حتى علمه الصحابة، فكانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة كما في الصحيحين، من حديثها أيضاً ﵂، قالت: (كان المسلمون يتحرون بهداياهم ليلة عائشة) فحبيب حبيبي حبيبي، إذا أكرمت من أحب أحببتك.

فكان الصحابة يعلمون ذلك، فكانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة، من أراد أن يهدي النبي ﷺ هدية فإنه يمكث حتى إذا كانت ليلة عائشة يعطيه الهدية، حتى صار عند عائشة هدايا كثيرة، وأزواج النبي ﵊ يعلمن ذلك، فما أعجبهن هذا الحال، فأردن أن يراجعن النبي ﷺ في ذلك، وأنه يقسم الهدايا عليهن، فأرسلن أحب الناس إليه، وهي فاطمة ﵂.

قالت عائشة: (فدخلت فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية النبي ﷺ، وكان النبي ﷺ في لحافي، فدخلت فقال: أهلاً بابنتي! فأجلسها، فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة ابن أبي قحافة.

فقال: أي بنيتي! أتحبينني؟ قالت: أجل.

قال: فأحبي هذه.

وذهبت إليهن وهن مؤتمرات في بيت إحداهن، فلما دخلت قالت: والله! لا أراجعه فيها أبداً)، فأرسلن بعد ذلك زينب، وهي التي كانت تسامي عائشة ﵂ في المنزلة عند النبي ﵊.

قالت عائشة: (فدخلت زينب والنبي ﷺ في لحافي، فكلمت النبي ﵊، ثم وجهت كلاماً لـ عائشة وأضجعت في الكلام -يعني: قالت كلاما قوياً- قالت عائشة: فنظرت إلى النبي ﷺ هل يكره أن أنتصر؟ -يعني: لو رددت عليها هل يكره ذلك؟ - قالت: فلما علمت أنه لا يكره أن ينتصر قمت لها فأفحمتها، فتبسم النبي ﷺ وقال: إنها ابنة أبي بكر!) أي: لا تغلب.

فانظر إلى هذا الوفاء من قبل عائشة ﵂ تقول: (فنظرت إليه هل يكره أن أنتصر؟) المرأة ينبغي أن تراعي شعور زوجها، فلا تأتي الشيء الذي يكرهه أبداً، هذا من العشرة بالمعروف، من حقه عليها، ولم يأذن النبي ﷺ بقسمة الهدايا؛ لأن هذا ليس ملكاً له ﵊، إنما يسأل الرجل -إذا تزوج بأكثر من امرأة- العدل فيما يملك، أما الهدايا فلا تدخل في هذا؛ ولهذا لم يجبهن النبي ﵊.

وكانت أخبار عائشة ﵂ فاشية يتحدث بها الخاص والعام، فيقول عمر بن الخطاب لها: يا بنيتي ليس لكِ من الإجلال ولا المكانة ولا الجمال مثل عائشة، فلا تقلديها، فإنه يحتمل لها ولا يحتمل لكِ.

وهكذا وعظها أبوها، وحضها على أن تعاشر النبي ﷺ بالمعروف.