Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Printed page ٨٤/ ٦

عدم التمايز بين الحق والباطل

الحالة الأولى: ألا تميز بين الحق والباطل، فإذا دعيت إلى جهة من الجهتين وأنت لا تستطيع التميز فحينئذٍ تعتزل، وقد فعل هذا جماعة من خيار الصحابة، لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية ﵄، فها هو سعد بن أبي وقاص ﵁، لما وقعت الفتنة، أخذ أولاده وماله وخرج خارج المدينة، فجاءه ولده عمر بن سعد، وقد تورط وشارك في قتل الحسين، فلما رآه سعد من بعيد جداً وهو لا يعلم من هذا الراكب، وقد كان سعد صاحب فراسة، فقال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فاقترب الراكب شيئاً فشيئاً، فإذا هو عمر ابنه، فدخل عليه، فقال: يا أبت! أرضيت أن تكون أعرابياً في إبلك، والناس يتقاتلون على الملك، أما والله لو ذهبت أظنها تئول إليك، وتصبح أنت الخليفة، فضرب على صدره وقال: يا بني! اجلس، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي النقي الغني الخفي).

وروى ميمون بن مهران ﵀، عن سعد بن أبي وقاص أنهم جادلوه: (كيف تركت هذا ولم تدخل؟ قال: إذا جئتموني بسيف ينطق له عينان ولسان، يقول: هذا كافر اقتله، وهذا مؤمن دعه، حينئذٍ أخوض معكم.

يا قومِ! إنما مثلي ومثلكم كمثل قومٍ في سفر، فهبت عليهم ريح مظلمة، ففقدوا الطريق، فقال جماعة: الطريق يميناً، فمضوا، وقال جماعة: الطريق يساراً ومضوا، وقال جماعة: بل نبقى في مكاننا حتى تنجلي، فما لبثت الريح أن انجلت، فإذا الذين وقفوا، وقفوا على الأمر الأول) هذا هو الفقه، أنهم وقفوا على الأمر الأول.

ولما اعتزل عبد الله بن عمر ﵁، قيل له: لم اعتزلت؟ قال: لا أعرف من الباغي، ولو علمت لقاتلت.

واعتزل الفتنة أيضاً محمد بن مسلمة ﵁، وكان خزيمة بن ثابت الأنصاري يمشي مع علي ولا يقاتل، حتى إذا قتل عمار قاتل؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقول لـ عمار بن يا سر عندما كان يبني المسجد النبوي، وكان عمار مريضاً، فكان الصحابة يحملون لبنة لبنة، ويحمل عمار لبنتين لبنتين مع مرضه، فكان النبي ﷺ يزيل التراب عن ظهره وهو يقول: (ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية)، وكان عمار مع علي.

إذاً: الفئة الباغية هي فئة معاوية ﵁ ومن معه، فظهر لـ خزيمة بن ثابت أن الفئة الباغية هي فئة معاوية ﵁، فحينئذٍ لم يترخص ولم يتوقف وإنما قاتل، فقد ظهر له برهان أن علي بن أبي طالب مبغي عليه.

فإذاً: إذا لم يميز المرء الحق من الباطل يعتزل، وليس هذا في الفتن فقط، إنما هذا في كل قضية طرحت، وليس عندك علم أهذا محقٌ أو مبطل، اعتزل الجدل، ولا تخض بلسانك، ولا تقل: أنا رأيي كذا، طالما أنك لم تميز بين الحق والباطل.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.