دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Text
أسباب الوصول إلى طريق النجاة
إن أول سبيل وأنت تفتش عن الطريق الحق وسط هذا الكم من الطرق أن تبحث عما كان عليه الأصحاب في زمن الرسول ﵊ عبادةً وعقيدة، كانوا أقل الناس تكلفاً، سمة التكلف غير موجودة فيهم أبداً، حتى الورع بالرغم من أنه يحمل العبد على التكلف بترك المباح، فترك المباح تكلف، فمثلاً لو افترضنا جدلاً أن رجلاً جاء يطعم عند رجل آخر فقال: هذا الدجاج أذبحته أنت بنفسك؟ قال: لا.
لكنه مذبوح في بيتي، قال: من الذي ذبحه؟ وهل من ذبحه يصلي؟ الرجل يسأل كل هذه الأسئلة بقصد ألا يأكل لحماً ذبحه رجلٌ لا يصلي، فهذا ورع أو داخلٌ في جملة الورع، لا يريد أن يطعم شيئاً فيه شبهة، ومع ذلك يلوح عليه أثر التكلف؛ لأنه مخالف لسائر الأدلة التي تبين لنا أن الأصل في ديننا اليسر، وما لم يأتك لا تتعنى البحث عنه، فتضيق على نفسك.
شخص يدخل الأسواق -ومعلوم أن كثيراً من أموال الأسواق سرقة وغصب، وأن كثيراً من المحلات قائمة على قروض ربوية من البنوك- فلو دخل رجلٌ محلاً تجارياً فسأل صاحب المحل: أتقترض من البنوك؟ أتجري المبايعات على الحل، أو تقع في المبايعات المحرمة.
كان ذلك تنطعاً، وهو يضيق على نفسه دائرة الحلال، إنما لو دخل واشترى فما على المحسنين من سبيل، ولا يقال له: لِمَ لم تسأل؟ لكن لو سأل وعرف، ثم احتاج بعد ذلك فاضطر إلى الشراء يلام، ويقال له: فتشت وتعنيت ولم يطلب منك، برغم أن التفتيش هذا داخل في دائرة الورع ولو في الجملة.
فالصحابة حتى في ورعهم لا يلوح عليهم هذا التكلف، وقلما وجدنا صحابياً يسأل مثل هذه الأسئلة، لكن ورعهم عليه نور وهالة، لأن هذا يتماشى مع فطرهم، ليس عندهم تكلف في الأصل.
فأنت في أول بحثك حتى لا تتوه اطلب سير الصحابة، واقرأ تراجمهم، وانظر كيف كانوا يركعون ويسجدون، كيف كانوا يذكرون الله ﷿، ثم انظر في سير التابعين، وكيف تأسوا بهؤلاء الصحابة حتى تتدرج إلى العلماء المتبوعين، الأئمة الكبار كـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، كل هؤلاء السادة عندما تقرأ سيرهم وتمشي على طريقهم ولو تقلدهم في بعض ما تقرأ، لا تقرأ إزجاءً للفراغ، فمثلاً روي أن الإمام أحمد ﵀ أصيب بوجع فدخل عليه بعض أصحابه، وهو يئن من المرض، فقال الإمام أحمد له: حدثنا -وأحمد هو أحمد والذي يحدثه لا يبلغ في علمه نصف أحمد - فقال: حدثنا فلان عن فلان، عن طاوس أنه كان يكره الأنين في المرض، قال: فما أنَّ أحمد بعدها، فـ طاوس تابعي وأي حجة في كلام التابعي أو في فعل التابعي إنما الحجة في كلام الله ورسوله، والتأسي يكون بالصحابة، لكن الإمام أحمد بن حنبل لا يجهل قدر طاوس، وكانوا إذا رأوا كلمة الحكمة تخرج من أي فمٍ وصادفت عندهم موضعاً يتبعونها، ولما سئل بعد ذلك عن أنين المريض قال: أكرهه؛ لأن طاوس كان يكرهه، فالإنسان يتأسى بمن سبقه من أهل العلم.
ذكر الإمام أحمد ما وقع له في المحنة فقال: وجلدت في يوم الإثنين وكنت صائماً ثلاثمائة جلدة حتى أغمي عليَّ عدة مرات -أي كان يفيق ويضرب ويغمى عليه- قال: فجاءني رجل لا أعرفه، وقال: يا أحمد! اصبر، قال: فكلما جلدت ذكرت الرجل وكلمته وتجلدت.
فمن هذا الرجل؟ وما قيمته؟ لا نعرف له رسماً ولا اسماً ومع ذلك صار إماماً لـ أحمد، قال: يا أحمد: اصبر، والأمر بالصبر، جاء في آيات وأحاديث كثيرة، لكن كان يتأسى.
فأول ما ينظر الإنسان إلى هدي الصحابة، وكيف كانوا يوجهون التابعين، يحاول أن ينفذ ولو جزءاً مما قرأ، فحين يسمع هذا الكلام يقول: أنا سأكون مثل الإمام أحمد، إذا مرضت فلن أئن، فهو في هذه الحال قد تأسى.
ومن المرضى من يعد مريضاً متعباً، ومنهم من يعد مريضاً مريحاً، فالمريض المتعب، أول ما تدخل عليه يجأر بالشكوى، وقد أتي له بالأطباء، وبذل معه كل ما يستطيعه البشر، ومع ذلك فهو يئن، فلا يستطيع القائم عليه أن ينام هو الآخر، بسبب هذا المريض الذي يكثر من الشكوى، وهناك مريض مريح، إذا دخلت عليه قال: الحمد لله لا تشغل نفسك بي، ويقول هذا الكلام وهو يتوجع، فتصور لو أن هذا المريض ترك الأنين لأراح من حوله ولتمكنوا من الاشتغال بأعمالهم دون إشغال فكرهم بحال مريضهم.