Skip to content

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني نفي الحرج عن دين الله عز وجل

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Printed page ٨٠/ ٦

نفي الحرج عن دين الله ﷿

حرّج عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ على نفسه كثيراً، والرسول ﵊ من دينه ومن سنته أنه كان ييسر دائماً، كان عبد الله بن عمرو بن العاص من العباد، ففي صحيح ابن حبان يقول: جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ فكنت أقوم به كل ليلة، هذا شيء عجيب مدهش، قال أحدهم: كان القرآن ما زال ينزل، قلت له: فليكن الذي نزل عشرون جزءاً، يعني أنه كان يقرأ كل ليلة عشرين جزءاً في قيام الليل.

فهذه المعاهدة للنفس من ثمرتها: الأنس بالفعل، كما قال بعض السلف: عالجت قيام الليل سنة، واستمتعت به عشرين سنة، أول سنة هي سنة التعب والمجاهدة، فيظل في صراع دائم مع الشيطان إلى أن يتعود وتصير له ملكة، فيبدأ يشعر بلذة القيام، ويشعر بالراحة والرضا والأنس، فهذا هو الذي حصل لـ عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد كان يشعر بالأنس والرضا والراحة عندما يصلي، فصار قيام الليل سجية بالنسبة له، لاسيما وقيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة، وقد قال الرسول ﵊ مرة: (يا عبد الله! لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه) فذمه على ترك قيام الليل، والإمام البخاري ﵀ بوب في صحيحه باب: أن قيام الليل ينجي من النار، وروى تحته قصة لطيفة جداً أو حديثاً ظريفاً لـ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، يقول عبد الله بن عمر: كنت شاباً عزباً أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فكان الناس يرون رؤى فيقصونها على النبي ﵊، وكانت فيها بشارات، فقد جاء عبد الله بن سلام إلى النبي ﷺ وقال له: بينما أنا نائم رأيت حبلاً معلقاً في السماء وفي آخره حلقة، فأمسكت بتلك الحلقة ثم استيقظت من النوم وأنا ممسك بها، فقال: (عبد الله مستمسك بالعروة الوثقى) فجاءت البشارة من الرسول ﵊ بأنه مستمسك بالعروة الوثقى.

وجاء آخر فقال: رأيت في المنام أني في روضة خضراء وفيها خيمة، وأنا قاعد فيها، فقال له: (أنت تموت على الإسلام) فكان عبد الله بن عمر بن الخطاب يتمنى أن يرى رؤيا، وقد تحققت أمنيته ولكنها كانت رؤيا مفزعة قال: رأيت ملكين يجراني إلى النار، فقال: وأنا أقول: أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار، حتى أوقفوني على شفيرها، فإذا هي مطوية كالبئر -البئر يطلق على الحفرة المبني حولها، أما إذا لم يُبنَ حولها شيء فتسمى: قليباً- وإذا فيها أناس معلقون من أرجلهم عرفتهم -أو قال: عرفت بعضهم- قال: وأنا أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فأخذني منهم ملك، وقال لي: لم ترع، أي لا تخف فاستحيا أن يقص هذه الرؤيا على النبي ﵊ فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين، فقصتها حفصة على النبي ﷺ فجاءت البشرى، قال النبي ﵊: (عبد الله رجل صالح) وفي اللفظ الآخر قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، قال راوي الحديث: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً.

وفي سنن النسائي حديث جميل يقول فيه الرسول ﵊: (إن الله ليضحك إلى عبد كان يسير مع أصحابه في رفقة فعرسوا -ضربوا خيامهم واستعدوا للنوم- وكان النوم أحب شيءٍ إليهم، فناموا فقام هو فتوضأ يتملق ربه بركعتين) يضحك الله لهذا الرجل، لأنه آثر القيام لله ﷿ على النوم الذي هو أحب شيء فقام وتوضأ وصلى ركعتين، وصف قدميه بين يديه يتملق، أي: يتزلف ويتقرب من الله ﷿.

فكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل ويقرأ ما جمعه من القرآن على عهد الرسول ﵊ فصار عنده ملكة.