دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
موقف جابر مع النبي ﷺ في حفر الخندق
في صحيح البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: (كنا نحفر الخندق فوقفت أمامنا صخرةٌ عظيمة، ظللنا ثلاثة أيام ما ذقنا فيها ذواقاً -أي: لم يأكلوا شيئاً، وكانوا يستعينون بربط الحجر على البطن لتقليل حدة الجوع- قال: فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! صخرةٌ عظيمة لا تعمل فيها المعاول، قال: فقام معي وأرى الجوع في وجهه، فأومأ بالمعول، وقال: باسم الله، وضربها ضربةً فكانت كثيباً أهيم -أي: صارت رملاً- قال: فاستأذنته أن أذهب إلى البيت، فذهب إلى امرأته، فقال لها: ماذا عندك من الطعام، فلقد رأيت شيئاً لا صبر لي عليه؛ رأيت الجوع بوجه النبي ﷺ أرجو أن تتذكر أن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: ظللنا ثلاثة أيام ما ذقنا فيها ذواقاً، إذاً: هو جائعٌ أيضاً، لكن حبه للنبي ﵊ جعله يقدم حاجة النبي ﵊ على حاجته.
قال: (لقد رأيت شيئاً ما لي به صبر؛ رأيت الجوع في وجه النبي ﷺ، ماذا عندكِ من الطعام؟ قالت: ما عندي شيء، عندي عناق -جدي صغير-، وعندي صاعٌ من شعير، قال: فأخذ العناق فذبحه، وقال: اعجني هذا الصاع، قالت له: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، لكن ائتِ به وبنفر من أصحابه، فذهب جابر ونادى النبي ﵊ وقال له: كذا وكذا، عندنا عناق وصاع فقط من شعير، فإن شئت أن تأتي، ويأتي بعض أصحابك، قال جابر: وإذا بالنبي ﷺ يصرخ في أهل الخندق، يا أهل الخندق! هلموا قد صنع لكم جابر طعاماً، قال جابر: فأدركني من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، ماذا أقول؟ فلما رجع إلى البيت ورأت امرأته هذا المنظر، قالت له: بك وبك، قال لها: قد قلت الذي أمرتني به، لكن النبي ﷺ صاح في أهل الخندق، قالت له: وهل أعلمته بما عندنا من الطعام؟ قال: نعم، قالت: فلا عليك، هو رسول الله ﷺ أدرى، قال النبي ﵊ لـ جابر -من فقهه-: فلا تضع اللحم على النار، ولا تدع امرأتك تخلط العجين حتى أجيء، وجاء النبي ﷺ، قال: أين برمتكم؟ -فيها اللحم- فجيء بها، فبصق فيها وبارك، ثم قال: أين عجينكم؟ فجيء به، فبصق فيه وبارك، قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا وتركوا وكانوا ألف رجل، وبقيت فضلة أهدينا منها لجيراننا، ووالله لقد انصرفوا والبرمة كما هي، والعجين كما هو).
فانظر إلى جابر وإلى شفقته، يرى النبي ﷺ جائعاً فيحز في نفسه، فهل تتصورون أنه إذا سمع قولاً أو رأى فعلاً من النبي ﷺ أنه يخالف؟ أبداً.
لقد رأينا عند علماء الأصول أن الفعل المجرد لا يقتضي الوجوب، بخلاف القول المجرد؛ فإن الأقوال المجردة تقتضي الوجوب، ما لم يكن هناك صارف، بخلاف الأفعال، فلا تقتضي الوجوب إلا بدليل خارجي.
ومع ذلك رأينا الصحابة يتقَّفون أفعال النبي ﷺ التي لا تفيد الوجوب بمجردها فضلاً عن الأقوال، وهذا من شدة الحب، فهذا هو الاتباع الحقيقي، والاتباع فرع عن هذه المحبة، إذا أحببت النبي ﵊ بصدق وبكل قلبك يستحيل أن تدع اختياره لاختيارك أنت.